ماذا ينتظر علي الزيدي في بغداد بعد عودته من واشنطن؟

6

 

 

هل تبدأ معركة بناء الدولة… أم معركة الدفاع عن النفوذ؟

 

قد تكون زيارة واشنطن قد انتهت، لكن الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد.

فما ينتظر رئيس الوزراء علي الزيدي في بغداد قد يكون أكثر تعقيداً من كل ما واجهه في واشنطن. فهناك كانت اللقاءات الدبلوماسية، أما هنا فسيكون الاختبار مع الواقع السياسي العراقي بكل تشابكاته وتناقضاته.

ومنذ انتهاء الزيارة، بدأت تتصاعد مواقف سياسية وإعلامية متباينة، بعضها حمل انتقادات حادة، وبعضها طرح تساؤلات بشأن نتائج الزيارة واتجاهات الحكومة في المرحلة المقبلة. كما شهدت الساحة تصريحات علنية من شخصيات وقوى سياسية تعكس حجم التوتر الذي أثارته الزيارة داخل المشهد السياسي الولائي.

وهذا يقود إلى سؤال أكبر. هل نحن أمام خلاف سياسي عابر، أم أمام بداية مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى داخل العراق؟

لقد اعتاد العراقيون خلال السنوات الماضية أن تكون السياسة الخارجية امتداداً للتوازنات الداخلية، لكن هذه المرة يبدو أن التوازنات الداخلية نفسها أصبحت جزءاً من تداعيات السياسة الخارجية، وهو ما يمنح المرحلة حساسية استثنائية.

فإذا كان رئيس الوزراء قد عاد من واشنطن وهو يحمل تصوراً لعلاقات عراقية أكثر انفتاحاً على المجتمع الدولي، فإن التحدي الحقيقي سيكون في قدرته على ترجمة ذلك إلى مشروع وطني يحمي سيادة العراق، ويعزز مؤسسات الدولة، ويوازن بين متطلبات الداخل وتعقيدات الإقليم.

وفي المقابل، فإن القوى السياسية التي أعلنت اعتراضها أو انتقادها ستسعى، بطبيعة العمل السياسي، إلى الدفاع عن رؤيتها ومصالحها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل سيبقى هذا الصراع في إطار المنافسة السياسية والدستورية، أم أنه سيتحول إلى أزمة أوسع تعطل أولويات الدولة؟

ولا يقل أهمية عن ذلك أن المرحلة شهدت أيضاً تحذيرات وتصريحات علنية متداولة بشأن المخاطر الأمنية، وهو ما يعكس حجم التوتر الذي يحيط بالمشهد السياسي، بصرف النظر عن كيفية تفسير تلك التحذيرات أو مآلاتها.

لكن وسط كل هذه الضوضاء، يبقى صوت العراقيين مختلفاً.

فالعراقيون لا ينتظرون معركة بين أشخاص، ولا انتصار طرف على آخر، بل ينتظرون معركة تستعيد هيبة الدولة، وتحصر السلاح بيدها، وتحارب الفساد، وتعيد للمواطن ثقته بأن القرار العراقي يُصنع في بغداد وفق المصلحة الوطنية.

غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل يملك علي الزيدي الأدوات الكافية لخوض معركة بهذا الحجم؟ فالفساد، والسلاح خارج الدولة، وشبكات النفوذ التي ترسخت عبر سنوات، ملفات أكبر من أي رئيس وزراء، ولا سيما إذا كان لا يستند إلى حزب سياسي كبير أو قاعدة شعبية واسعة. كما أن أي دعم دولي، مهما بلغت أهميته، يبقى عاملاً مساعداً لا بديلاً عن الإرادة الوطنية، لأن بناء الدولة لا يُصنع في العواصم الخارجية، بل بإرادة العراقيين.

ولهذا، فإن ما ينتظر علي الزيدي بعد عودته ليس مجرد إدارة خلافات سياسية، بل اتخاذ قرارات سترسم صورته في الوعي العراقي. فإن استطاع أن يجعل الدولة أقوى من النفوذ، والمؤسسات أقوى من الولاءات، والقانون أقوى من مراكز القوة، فسيكون قد فتح صفحة جديدة في الحياة السياسية العراقية.

أما إذا طغت حسابات الصراع على مشروع الإصلاح، فإن العراق سيجد نفسه أمام جولة جديدة من الاستقطاب، وسيبقى المواطن يدفع ثمن الصراعات التي لم يخترها.

إن ما يجري اليوم لا يتعلق بمصير حكومة فحسب، بل بمصير معادلة سياسية حكمت العراق لأكثر من عقدين. فإذا نجح مشروع بناء الدولة، فإن كثيراً من التوازنات التي تشكلت خلال تلك السنوات ستدخل مرحلة جديدة. أما إذا انتصر مشروع الدفاع عن النفوذ، فسيبقى العراق يدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الحكومات والوجوه.

لقد انتهت زيارة واشنطن… أما معركة بغداد فقد تكون قد بدأت بالفعل.

لكنها لن تكون معركة بين أشخاص، بل بين مشروعين واضحين: مشروع يريد بناء دولة قوية ذات قرار مستقل، ومشروع يسعى إلى الدفاع عن النفوذ الذي تشكل خلال السنوات الماضية.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام، وليس التصريحات:

هل تنجح بغداد في الانتصار للدولة… أم ينتصر النفوذ مرة أخرى؟

التعليقات معطلة.