“قبل أن تجف الدماء”.. كيف زيّفت شخصيات إسرائيلية رواية ما حدث في تل؟

1

 

 

عربي21- مؤيد باجس

 

زعم إسرائيليون أن الشهيد الشيخ رمضان فاروق هو من بادر بإطلاق النار دون أن يتعرض لأذى من المستوطنين- إكس

 

لم تمضِ ساعات على أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس، حتى انبرت شخصيات إسرائيلية بارزة، إلى تزييف الرواية، ومحاولة إظهار أهالي البلدة الفلسطينيين بأنهم من بادر إلى الهجوم على المستوطنين المتطرفين.

 

ورصدت “عربي21” عملا منظما في منصة “إكس” لشخصيات إسرائيلية سياسية، وإعلامية، حاولت تقديم رواية خاصة فيما جرى، تقوم بشكل أساسي على إظهار أن الفلسطينيين هم من بادر بالهجوم، وأن جيش الاحتلال والمستوطنين المسلحين فضّلوا عدم اللجوء إلى إطلاق النار، بخلاف الشيخ الشهيد فاروق رمضان الذي أطلق النار بمجرد سيطرته على سلاح المستوطن الإسرائيلي القتيل.

 

استشهاد بدليل الإدانة

اللافت أن شخصيات إسرائيلية، استثمرت التسجيلات المصورة التي تثبت تعدي المستوطنين على أهالي تل بمساندة جيش الاحتلال، لتزييف الواقع، واعتبار أن هذه الفيديوهات تثبت “سلمية” المستوطنين والجنود مقارنة بالفلسطينيين.

 

وكتب الصحفي الإسرائيلي عميت سيغال أن الفيديو يُظهر أن منسق الأمن والجنود “كان بإمكانهم إطلاق النار في وقت مبكر لكنهم لم يفعلوا”، معتبرا أن ذلك ينفي الاتهامات باستخدام القوة المميتة بصورة متسرعة ضد الفلسطينيين.

 

وتبنى الطرح ذاته عدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الاستيطاني، التي رأت في التسجيل دليلا على أن المستوطنين حاولوا تجنب استخدام السلاح، وأن إطلاق النار وقع فقط بعد انتزاع أحد الفلسطينيين السلاح، فيما ذهب آخرون إلى تحميل القيود المفروضة على إطلاق النار مسؤولية مقتل المستوطنين.

 

وكتب إيغال مالكا، رئيس حركة “الأغلبية اليهودية من أجل الحفاظ على دولة واحدة لليهود”: “اتضح أن القاتل هو شيخ القرية”. وأضاف محرضا على طرد وتهجير أهالي تل “تجدر الإشارة إلى أن سكان القرية لم يحزموا أمتعتهم بعد”.

 

وكتب الناشط الاستيطاني يغال ديلموني أن الفيديو “يُظهر بوضوح محاولة اليهود تجنب العنف”، مدعيا أن المستوطن القتيل حاول استخدام سلاحه كوسيلة ردع وليس لإطلاق النار، وأن الفلسطيني الذي استولى على السلاح هو من بادر إلى القتل.

 

أما الصحفي إلحانان غرونر، فذهب إلى أبعد من ذلك، إذ حمّل القيود التي فرضت على الجنود ومنسقي الأمن في الضفة الغربية مسؤولية ما حدث، قائلا إن الخوف من التحقيقات والمساءلات جعلهم يترددون في إطلاق النار على من وصفهم بـ”المشاغبين”، معتبرا أن ذلك أدى إلى مقتل المستوطن.

 

تجريم الشيخ الفلسطيني

ومن أبرز محاور الخطاب الإسرائيلي، التركيز على الشيخ فاروق عدنان علي رمضان، أحد الفلسطينيين الذين استشهدوا في الأحداث، بعدما انتزع سلاح مستوطن متطرف وأرداه قتيلا، عقب تعرضه لهجوم وحشي من قبل المستوطنين والجنود.

 

وقدم الناشط الإعلامي الإسرائيلي المتطرف يوسف حداد الشيخ رمضان باعتباره “إرهابيا”، داعيا المسلمين إلى التبرؤ منه.

 

ولم يقتصر الخطاب على الناشطين والسياسيين الإسرائيليين، بل تبناه أيضا مسؤولون رسميون. فقد كتب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون أن “إرهابيين فلسطينيين مسلحين” نفذوا هجوما ضد “مدنيين إسرائيليين أبرياء”، مطالبا بالتركيز على ما وصفه بـ”الإرهاب الفلسطيني”، في منشور لم يتطرق إلى الظروف التي سبقت الاشتباك أو إلى استشهاد أربعة فلسطينيين خلال الأحداث.

 

بينما وصفت الضابطة الإسرائيلية إيلا واوية المتحدثة باسم جيش الاحتلال بأنه “ملحد” و”إرهابي”، وقالت إن الإسلام “بريء منه”، في خطاب استهدف الجمهور العربي بصورة مباشرة.

 

وفي السياق ذاته، أعادت حسابات إسرائيلية أخرى تقديم الحادثة باعتبارها دليلا على ما تصفه بـ”الإرهاب الفلسطيني”، متجاهلة السياق الذي سبق الاشتباك.

 

فقد كتب يوسي غستتنر، الناشط الإسرائيلي، تعليقا على مقطع مصور من الحادثة، مقدما المشهد باعتباره “إعدامًا ليهودي على يد فلسطيني”، ومقارنًا إياه بما وصفه بالصورة النمطية عن تعامل جيش الاحتلال مع الفلسطينيين، في محاولة لعكس صورة الضحية والجاني.

 

ليس عنفا

وامتدت الحملة إلى مهاجمة توصيف “عنف المستوطنين” نفسه. فقد اعتبر عضو الكنيست سمحا روتمان أن الحادثة ستُستخدم، بحسب تعبيره، لترويج ما سماه “عنف المستوطنين”، مهاجما مسؤولين أمنيين سابقين بسبب استخدامهم هذا المصطلح.

 

فيما رأى إعلاميون وناشطون إسرائيليون أن ما جرى يثبت أن المستوطنين كانوا في موقع الدفاع عن النفس، وأن الرواية التي تتحدث عن اعتداءات المستوطنين “كاذبة”.

 

كما ربط الإعلامي ينون ماغال الحادثة بما وصفه بـ”فشل المفهوم الأمني” في الضفة الغربية، داعيا إلى تغيير قواعد الاشتباك وتشديد العمليات العسكرية.

 

“المستوطن الإنسان”

وبالتوازي مع إعادة تقديم رواية إسرائيلية للحدث، وتزييف الوقائع التي بدأها المستوطنون، سعت شخصيات إسرائيلية إلى بناء صورة إنسانية للمستوطن القتيل بنيامين مالت، بعيدا عن ارتباط بنشاط “شباب التلال” الاستيطاني المتطرف.

 

وكتبت عضو الكنيست الإسرائيلية المتطرفة ليمور سون هار-ملك، في منشور مطول عبر منصة “إكس”، راثية مالت، وقدّمته باعتباره أحد أبناء جيل “أطفال التلال” الأوائل، وهي التسمية التي تطلق على أبناء عائلات المستوطنين الذين نشأوا في البؤر الاستيطانية غير القانونية المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية.

 

وقالت هار-ملك إنها عرفته منذ طفولته في مستوطنة “عادي عاد”، وقدمته باعتباره طفلا نشأ بين الخيام والكرفانات، قبل أن يصبح، بحسب وصفها، “رجل عائلة مخلصا” و”رائدا” و”رجل عمل وفكر”، مشيرة إلى أنه كان ناشطا في قضايا مرتبطة بأمن المستوطنات، ويعرف طرق المنطقة ومخاطرها، وكان يقدم خبرته لمن وصفته بـ”أمن الاستيطان”.

 

كما أشارت في منشورها إلى أن مالت شارك في مبادرات دينية واستيطانية، بينها تنظيم صلوات في منطقة جبل عيبال، وقالت إنه خرج لمساعدة الآخرين عندما سمع بالحادثة قبل مقتله، متجاهلة مشاركته في الاعتداءات المتكررة على أراضي الفلسطينيين وبلداتهم.

 

استغلال احتفالات “التوجيهي”

من أوضح المزاعم التي انتشرت عقب الأحداث، ما نشرته حسابات إسرائيلية أبرزها الناشطة أييلت لاش، التي تداولت مقاطع مصورة قالت إنها تُظهر “احتفالات” في نابلس عقب مقتل المستوطنين، ودعت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى احتلال المدينة.

 

تتبعت “عربي21” المشاهد، ليتبين أنها انتشرت قبل أحداث تل بنحو ساعتين، وهي تعود إلى احتفالات طلبة فلسطينيين بنتائج الثانوية العامة “التوجيهي” التي أعلنت صباح الجمعة.

 

دعوة للبطش في الضفة

واستثمر عدد من المسؤولين الإسرائيليين الحادثة للمطالبة بمزيد من التصعيد في الضفة الغربية.

 

فقد دعا وزير شؤون الشتات المتطرف عميحاي شيكلي إلى خطوات عسكرية أوسع، متهما الفلسطينيين ومنظمات حقوقية ووسائل إعلام بالتركيز على “عنف المستوطنين” وتجاهل ما وصفه بـ”الإرهاب الفلسطيني”.

 

بينما كرر سياسيون وناشطون آخرون أن “لليهود الحق في التجول في كل أرض إسرائيل”، في تبرير لوجود مجموعات المستوطنين داخل المناطق الفلسطينية.

 

اقرأ أيضا:

 

مظاهرة حاشدة في لندن دعماً لفلسطين.. طالبوا بوقف الحرب على غزة

 

إسكات أي صوت آخر

وفي مقابل هذا الخطاب، برزت الصحفية الإسرائيلية أييلت كرويزر باعتبارها من الأصوات القليلة التي شككت في الرواية المتداولة.

 

وكتبت كرويزر أن الحديث عن “رحلة بريئة” لمجموعة يهودية مسلحة داخل قرية فلسطينية يتجاهل حقيقة أن ناشطين من مجموعات “شباب التلال” كانوا قد أعلنوا قبل الحادثة دخولهم القرية لـ”إظهار من هو صاحب البيت”، متسائلة عن سبب تجاهل مقتل أربعة فلسطينيين وإصابة ثلاثة آخرين خلال التغطية الإسرائيلية.

 

لكن منشورها قوبل بهجوم واسع من مستخدمين إسرائيليين، إذ انهالت عليها عشرات التعليقات التي وصفتها بـ”الفوضوية” و”المجنونة” و”الخائنة”، واتهمها آخرون بتبني “رواية كاذبة”.

 

كما سارع ناشطون إلى تقديم روايات بديلة، زعم بعضها أن المستوطنين دخلوا القرية فقط لاستعادة قطيع أغنام سُرق منهم، بينما رأى آخرون أن مجرد انتقاد سلوك المستوطنين يمثل انحيازا للفلسطينيين.

التعليقات معطلة.