كل يوم يخرج الإعلام بصور جديدة لأموال مدفونة تحت الأرض، أو مخبأة داخل أنابيب المياه، أو خلف الجدران، أو في أماكن يصعب على الخيال تصورها. وتتحول هذه المشاهد إلى مادة يومية تملأ الشاشات ومواقع التواصل، حتى يكاد المشاهد يقتنع بأن الفساد في العراق يبدأ من عدنان الجميلي، ويمر بحسين طالب، وينتهي عند عالية نصيف.
لكن السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه هو: هل هؤلاء هم من صنعوا منظومة الفساد في العراق؟ أم أنهم مجرد حلقات داخل منظومة أكبر بكثير؟
فالفساد الذي استنزف مئات المليارات من الدولارات، وأوصل العراق إلى ما هو عليه، لا يمكن أن يكون نتاج أفراد مهما بلغ نفوذهم. إنه منظومة سياسية وإدارية ومالية متكاملة، نشأت في ظل نظام المحاصصة، واستمرت بفضل الحماية السياسية، وتوزيع المصالح، وغياب المحاسبة الحقيقية.
إن التركيز الإعلامي على بعض الأسماء قد يكون مطلوبا إذا كان جزءًا من مشروع شامل لمكافحة الفساد، لكنه يصبح مثيرا للريبة إذا تحول إلى بديل عن ملاحقة من وفروا الغطاء، وصنعوا البيئة التي ازدهر فيها الفساد.
فالمال العام لا يُنهب بقرار موظف، ولا يستطيع مسؤول، مهما كانت صلاحياته، أن يدير شبكات فساد بهذا الحجم من دون حماية سياسية، وتواطؤ إداري، وصمت مؤسساتي.
ولهذا فإن القضية ليست في الأموال التي تُكتشف اليوم، بل في السؤال الذي يسبقها جميعا: من الذي سمح بسرقتها؟ ومن الذي وفر الغطاء لاستمرارها سنوات طويلة؟ ومن الذي استفاد من بقائها؟
إن الاكتفاء بعرض الأموال المضبوطة قد يحقق صدمة إعلامية، لكنه لا يحقق عدالة. لأن العدالة لا تكتمل باستعادة جزء من الأموال، وإنما بكشف السلسلة الكاملة للمسؤولية، من المنفذ إلى الآمر، ومن المستفيد إلى الحامي.
لقد اعتاد العراقيون، بعد كل حملة إعلامية، أن يشاهدوا أسماء تتصدر المشهد، بينما تبقى الأسماء الأكبر خارج دائرة الضوء. وكأن المطلوب هو إقناع الناس بأن الفساد له وجوه محددة، لا منظومة كاملة، وأن المشكلة تنتهي باعتقال هذا المسؤول أو ذاك.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.
فالفساد في العراق لم يكن انحرافا
فرديا، بل كان، في كثير من الأحيان، جزءًا من آلية إدارة السلطة نفسها. ولذلك فإن تفكيكه لا يكون باعتقال بعض الأشخاص فقط، وإنما بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الشفافية، واستقلال القضاء، والمحاسبة التي لا تستثني أحدا.
إن الحرب الحقيقية على الفساد تبدأ عندما تصل التحقيقات إلى الرؤوس التي صنعت شبكات الفساد، لا إلى من نفذوا أدوارهم داخلها فقط. فالكبار هم من يصنعون المنظومات، أما الصغار فهم غالبا أدواتها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته:
هل نحن أمام حملة جادة لتفكيك منظومة الفساد بأكملها، أم أمام معركة تُختزل في أسماء محددة، بينما تبقى الرؤوس التي أدارت اللعبة لعشرين عاما بعيدة عن المساءلة؟
فإذا لم تصل يد العدالة إلى القمة، فإن كل ما يجري سيبقى مجرد إدارة للرأي العام، لا اجتثاثا حقيقيا للفساد.

