الضربة السعودية التي غيّرت قواعد الاشتباك

6

 

 

لم تكن الضربات المشتركة التي نفذتها المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضد أهداف داخل العراق مجرد رد عسكري على هجمات سابقة، بل كانت إعلاناً سياسياً وعسكرياً بأن قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية قد انتهت، وأن مرحلة جديدة بدأت عنوانها: الرد على مصادر التهديد وليس الاكتفاء باحتواء نتائجه.

فخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة فقط، شهدت المنطقة سلسلة أحداث متلاحقة ومترابطة؛ استهداف منشآت نفطية سعودية، وهجوم على قاعدة أمريكية في الأردن، وتصعيد في محيط مضيق هرمز بما مس أمن الملاحة وإمدادات الطاقة. ولم يعد بالإمكان التعامل مع هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها حلقات في مسار تصعيد واحد يطال أمن المنطقة والاقتصاد العالمي في آن واحد.

في هذا السياق، جاء الرد السعودي بالتنسيق مع الولايات المتحدة ليحمل رسالة تتجاوز البعد العسكري. فالرياض لا تريد تعطي فرصة أن يُفسر ردها باعتباره مواجهة ثنائية أو ذات أبعاد مذهبية ، بل وضعته ضمن إطار دولي يرتبط بحماية أمن الطاقة، وصون المصالح الاستراتيجية، والدفاع عن استقرار أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. ومن هنا جاءت المشاركة الأمريكية لتمنح العملية بعداً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز حدود العراق وتلك الأهداف الضيقة.

ولم يكن توقيت هذا التصعيد بعيداً عن المشهد السياسي في المنطقة. فقد جاء في لحظة تشهد حراكاً إقليمياً واسعاً، ومساعي لتعزيز علاقات العراق مع محيطه العربي، وفي مقدمة ذلك المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع ملفات تعاون إقليمي أخرى. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الضربات العسكرية رسائل سياسية بقدر ما هي عمليات ميدانية، لأن توقيتها قد يؤثر في مسارات الانفتاح والتحالفات الإقليمية.

لكن الرد المقابل حمل رسالة معاكسة تماماً؛ مفادها أن استهداف منشآت الطاقة لم يعد يُعدّ شأناً محلياً أو أزمة عابرة، بل أصبح اعتداءً على مصالح دولية تستوجب رداً منسقاً. وهذا هو التحول الحقيقي في المشهد، لأن أمن الطاقة لم يعد ملفاً اقتصادياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي للدول الفاعلة.

لقد انتقلت المنطقة عملياً من سياسة احتواء الهجمات إلى سياسة رفع كلفة الهجوم. وهذه هي القاعدة الجديدة التي بدأت تتشكل. فمن يوسّع ساحات الاشتباك لتشمل النفط والملاحة والمصالح الحيوية، لا يمكنه أن يتوقع بقاء الردود ضمن الحدود القديمة.

ولذلك فإن الضربة المشتركة لم تكن مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل كانت إعلاناً عن ولادة معادلة ردع جديدة. ومع دخول النفط وأمن الملاحة في قلب المواجهة، لم يعد الصراع يدور حول النفوذ وحده، بل حول من يمتلك القدرة على فرض قواعد الإقليم في مرحلة تتشكل فيها خرائط القوة من جديد. ومن هذه اللحظة، لن تُقاس قوة أي طرف بعدد الصواريخ التي يطلقها، بل بقدرته على تحمّل كلفة القواعد الجديدة التي فرضها هو على نفسه قبل أن يفرضها على خصومه.

التعليقات معطلة.