الخوف.. رفيق الإنسان

1

 

سعاد فهد المعجل

منذ حرب غزة والى حرب الخليج الراهنة، وقلمي نادرًا ما يغادر ساحات الحروب والمعارك، وفي كل محاولة لكسر هذا الحصار، أجدني مرغمة على العودة الى الحرب وشأنها ومسارها، يشاركني في هذا الزميل الشاعر المبدع نشمي مهنا (وضاح)، الذي قال يوما في إحدى قصائده «مالك إلا الحرب»، ولطالما حسدت الزميل الكاتب الكبير أحمد الصراف الذي استطاع وبمهارة فك مثل هذا الحصار ليُبدع في مقالات بعيدة عن الحروب وساحتها.

يأتي الخوف كأصعب وأقسى تداعيات الحرب، فبالرغم من أهوال القصف والمدافع والتهجير والقتل والدمار، إلا أنها تبقى مؤقتة نسبياً مقارنة بالخوف الذي تُخلّفه ليستقر في الوعي وبشكل مستدام أحياناً.

أطفال غزة وشيوخها ونساؤها الذين عاشوا أهوال غطرسة الكيان الصهيوني، وفقدوا أهلهم وأمنهم وأرضهم وأمانهم، يعانون بلا شك من خوف مُسيطر سيبقى ملازمًا لهم حتى وإن صمتت أصوات المدافع، كذلك الحال مع أطفال دول الخليج الذين عاشوا تحت مسيرات وصواريخ النظام الإيراني وصافرات الإنذار، هم كذلك سيكونون عرضة لمخاوف قد لا تظهر بشكل مباشر، لكنها حتمًا مستقرة في وعيهم وهو ما أشار اليه وحذّر منه الكثير من الأخصائيين والأطباء في مجال الصحة النفسة.

يُقال ان الخوف هو أقدم رفيق للإنسان، فقبل أن يعرف أو يبني حضاراته عرف الخوف، خوف من الظواهر الطبيعية، وخوف من الوحوش، وخوف من الموت، ومن المجهول، وفي زمن الحروب يتضاعف الخوف من المجهول خاصة حين تفرض القذائف والصواريخ والمسيرات نفسها كواقع محسوس وليس كاحتمال، ومعه يقتحم الخوف الوعي والبيت والمدرسة والأسواق وكل شيء، ويصبح معه الغد بلا ملامح وفي مقام المجهول، ويبدأ الوعي في صناعة كل الاحتمالات وطرح كل الأسئلة وبشكل يجعل من الخيال أكثر قسوة من الواقع.

كثيراً ما تناول الفلاسفة عقدة الخوف في طروحاتهم، فسقراط مثلا تحدّث عن سبب خوف الإنسان من الموت لأنه لا يعرف ماذا بعده، بينما تناول سينيكا الخوف من جانب مختلف، مؤكدًا أن الإنسان غالبًا ما يعاني من توقّع المصائب قبل وقوعها، ومن أشهر أفكاره أن الإنسان يتألم في خياله أكثر مما يتألم في الواقع، أما في البوذية فإن أفضل الطرق للتعامل مع الخوف هي مواجهته وليس الهرب منه، أي لا يجب على الإنسان أن يُنكر الخوف، ولكن عليه ألا يسمح للخوف بأن يُهيمن على مستقبله بدلًا منه.

لا شك بأن حروب الشرق الأوسط بشكل عام ستُلقي بظلالها على نفوس الأطفال والكبار معًا، ولا أحد يعلم بعد كيف سيكون ذلك، ولا ما هي أبعاده، فنحن لا نزال نعيش الحدَث حاضرًا، واليوم، وبسبب تكنولوجيا التواصل مع ما تنقله من صورة ومشاهد للحروب، أصبح الجميع في منطقة حرب، فمن طبيعة عمل مخ الإنسان أن استشعاره الخوف فيه قد يحدث من مشاهدة الصور أو المقاطع المصوّرة وحدها، أما الخطر الحقيقي في الخوف فهو حين يتحوّل من خوف فعلي تسبّبه أحداث مباشرة كقصف أو أصوات صواريخ أو مسيرات أو تفجيرات، أي بمعنى آخر خوف مرتبط بواقع محسوس ولحظي، الى خوف دائم وقلق وهلع مما قد يحدث وليس فقط مما يحدث، فبقدر ما يكون الخوف مرتفعًا مع صوت الانفجارات والصواريخ والمسيرات، إلا أنه يزول بزوالها وتوقّفها، أما الخوف الدائم فيتحول تدريجيًا الى جزء من الوعي، ويبقى مسيطراً وبشكل قد يجعل الإنسان في حالة ترقّب وقلق من احتمال الأسوأ.

الخوف رفيق الإنسان الأول منذ نشأته، كان هو المحفّز الأول لقيام الحضارات البشرية، ودفْع الإنسان للإبداع في علوم الطب والتكنولوجيا، وهو شعور فطري وضروري أحياناً لحماية الإنسان، والحكمة تقتضي التعامل معه على هذا الأساس دون أن تجعله رفيقك الدائم.

سعاد فهد المعجل

 

التعليقات معطلة.