العراق والفرصة السانحة

2

 

 

في السياسة، لا تأتي الفرص دائماً في صورة دعوة رسمية أو اتفاق مكتوب. أحياناً تولد الفرصة من لحظة إقليمية استثنائية، حين تتغير موازين القوى وتعيد الدول حساباتها، فتجد الدولة أمامها نافذة نادرة للانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة مستقبل المنطقة.

والعراق يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات.

إن التحالف الثلاثي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، والذي يمكن أن يمثل إطاراً إقليمياً دفاعياً قوياً، ينبغي ألا يُقرأ في بغداد باعتباره تحالفاً موجهاً ضد دولة بعينها، أو مقدمة لمواجهة جديدة في المنطقة.

العكس هو الأقرب إلى جوهر الفكرة: منظومة دفاع وردع إقليمية لا تستهدف أحداً، وإنما تسعى إلى حماية الأمن والاستقرار ومصالح الدول الأعضاء.

وهنا تحديداً تظهر الفرصة العراقية.

لماذا العراق؟

العراق ليس دولة هامشية في هذه الجغرافيا. فهو يقع في قلب المنطقة، بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، ويمتلك موقعاً استراتيجياً يؤهله لأن يكون جزءاً أساسياً من أي منظومة أمن إقليمي حقيقية.

لكن المفارقة أن العراق، رغم هذه الأهمية، ظل خلال سنوات طويلة يتعامل مع نفسه كأنه ساحة للصراعات، بينما كان الآخرون يتعاملون معه باعتباره مركزاً استراتيجياً.

آن الأوان لعكس المعادلة.

يمكن للعراق أن يقول بوضوح: لسنا ساحة صراع لأحد، لكننا أيضاً لسنا خارج ترتيبات الأمن الإقليمي التي تمس أمننا ومصالحنا.

ومن هنا يصبح الانضمام إلى هذا التحالف خياراً عراقياً مشروعاً، إذا قام على أساس واضح: الدفاع المشترك، احترام السيادة، وعدم استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على أي دولة.

الخروج من سياسة المحاور

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً بسبب سياسة المحاور.

كلما اقترب من محور، ابتعد عن محور آخر، وكلما اشتد الصراع الإقليمي، وجد نفسه مضطراً إلى دفع ثمن صراعات لم يصنعها.

والنتيجة أن دولة تملك موقعاً استراتيجياً هائلاً لم تستطع تحويله إلى قوة سياسية متوازنة.

التحالف الثلاثي يفتح أمام العراق فرصة مختلفة: بدلاً من أن يكون تابعاً لمحور، يصبح شريكاً في منظومة إقليمية.

وبدلاً من أن يكون أرضاً لتصفية الحسابات، يمكن أن يصبح جزءاً من معادلة ردع تمنع تحويل أرضه إلى ساحة مواجهة.

وبدلاً من انتظار ما تقرره العواصم الأخرى، يستطيع العراق أن يدخل إلى مساحة صناعة القرار الإقليمي.

وهذه ليست مسألة بروتوكولية، بل مسألة سيادة.

السعودية وتركيا وباكستان

قوة هذا التحالف لا تأتي فقط من عدد دوله، وإنما من اختلاف قدراتها.

السعودية تمثل ثقلاً عربياً وخليجياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً، وتركيا قوة إقليمية عسكرية وجغرافية مؤثرة، فيما تمتلك باكستان خبرة عسكرية وعمقاً استراتيجياً وموقعاً مهماً في التوازنات الآسيوية.

اجتماع هذه القدرات في إطار دفاعي يمنح التحالف وزناً إقليمياً كبيراً.

أما دخول العراق إليه، فيضيف عاملاً لا يقل أهمية: الموقع الجغرافي والسياسي.

فالعراق ليس مجرد دولة رابعة؛ إنه حلقة وصل بين أجزاء أساسية من المنطقة.

الدعم الأمريكي… فرصة إضافية

هناك عامل آخر يزيد أهمية هذا الخيار: الدعم الأمريكي المتوقع لتعزيز القدرات الدفاعية العراقية.

فالولايات المتحدة، التي تنظر إلى أمن المنطقة من منظور استراتيجي واسع، يمكن أن ترى في بناء منظومة دفاع إقليمية متوازنة، يكون العراق جزءاً منها، عاملاً يساعد على تقليص فرص استخدام الأراضي العراقية في الصراعات، ويعزز قدرة الدولة العراقية على حماية حدودها وأمنها.

وهنا يستطيع العراق أن يحول علاقته بواشنطن إلى شراكة أكثر نضجاً: تدريب، تسليح، معلومات، تكنولوجيا، حماية حدود، وبناء قدرات عسكرية وطنية.

لكن الأهم أن يكون هذا الدعم للدولة العراقية، وليس بديلاً عنها.

ليست مواجهة مع إيران

من الخطأ تقديم انضمام العراق إلى هذا التحالف على أنه إعلان عداء لإيران.

يمكن لبغداد أن تقول لطهران بكل وضوح: لا نريد تهديد أمنكم، ولا نريد حرباً معكم، لكننا نريد أيضاً أن يكون أمن العراق عراقياً.

العلاقات مع إيران يمكن أن تستمر على أساس حسن الجوار والمصالح المتبادلة، كما يمكن للعراق أن يقيم علاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا وباكستان والولايات المتحدة.

هذا ليس تناقضاً.

بل هو جوهر السياسة الخارجية المتوازنة.

العراق القوي ليس عراقاً معادياً لإيران، كما أنه ليس عراقاً تابعاً لها.

إنه عراق يملك قراره.

لكن الدولة أولاً

هناك شرط لا يمكن تجاهله.

لا يستطيع العراق أن يدخل منظومة دفاعية إقليمية قوية وهو يعاني تعدد مراكز القرار الأمني أو وجود سلاح خارج إطار الدولة.

التحالفات الخارجية لا تصنع الدولة من الداخل.

لذلك يجب أن يترافق أي خيار إقليمي مع مشروع وطني واضح: قرار أمني واحد، سلاح واحد، عقيدة دفاعية وطنية، وحدود يحميها الجيش ومؤسسات الدولة.

عندها فقط يدخل العراق إلى التحالف كشريك حقيقي، لا كعضو تابع.

 

إن المنطقة تعيد ترتيب نفسها بسرعة، والتحالفات تتغير، والدول تبحث عن ضمانات أمنية جديدة.

وفي وسط هذه التحولات، يمتلك العراق فرصة نادرة لاستعادة موقعه.

إن الانضمام إلى التحالف الثلاثي ليس نهاية الطريق، بل يمكن أن يكون بداية طريق جديد: يعيد العراق إلى عمقه العربي، ويحافظ على علاقاته الإقليمية، ويفتح أمامه شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ويعزز قدرته على حماية أمنه ومصالحه.

لكن بشرط واحد:

أن يدخل العراق هذا التحالف كدولة، لا كساحة، ولا كوكيل، ولا كجزء من محور.

فالمنطقة تتغير، والسؤال لم يعد هل ستتغير المعادلة.

لقد بدأت تتغير بالفعل.

السؤال هو:

هل سيكون العراق من الذين يصنعون المعادلة الجديدة، أم سيترك الآخرين يصنعونها على حسابه؟

هذه هي الفرصة السانحة.

وقد لا تتكرر بسهولة.

التعليقات معطلة.