في السياسة، كثيراً ما تخدعنا العناوين. ننشغل بما وقع، ونغفل السؤال الأهم: لماذا وقع الآن؟
فالخبر في عالم الاستراتيجية لا يكمن دائماً في مضمون الاتفاقيات، بل في اللحظة التي تولد فيها. ولهذا، فإن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لا ينبغي أن يُقرأ من نصوصه أولاً، وإنما من توقيته.
فالتوقيت، في السياسة، ليس تفصيلاً؛ بل مفتاح للفهم.
الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لا تنتظر حتى تكتمل التحولات لتبدأ بالتحرك، بل تتحرك عندما تلتقط إشاراتها الأولى. وهي لا تؤسس ترتيباتها الأمنية بعد أن تتغير موازين القوى، وإنما قبل أن تتغير، لأنها تدرك أن من يصل متأخراً إلى لحظة التحول لن يكون شريكاً في صناعتها، بل متلقياً لنتائجها.
ولهذا، فإن توقيع هذا الاتفاق في هذه المرحلة لا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي الذي يعيش حالة إعادة تشكيل متسارعة. فالشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل سنوات قليلة. توازنات تتغير، وأولويات تتبدل، وأدوار إقليمية يعاد تعريفها، فيما تسعى القوى الفاعلة إلى إعادة ترتيب مواقعها استعداداً لمرحلة تبدو مختلفة عما عرفته المنطقة طوال العقود الماضية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تتضمن الاتفاقية؟ بل: لماذا اختارت هذه الدول هذه اللحظة بالذات؟
الإجابة تبدأ من طبيعة الأطراف نفسها.
فالسعودية لا تمثل مجرد دولة مشاركة، بل تمثل ثقلاً عربياً وخليجياً، وقدرة اقتصادية كبيرة، وحضوراً سياسياً ودبلوماسياً مؤثراً في الإقليم وعلى المستوى الدولي.
أما تركيا، فلا تدخل هذا التفاهم بقوتها العسكرية والصناعية المتنامية فحسب، وإنما تدخل به أيضاً بثقل جغرافي وسياسي كبير، وبحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يمنح الاتفاق بعداً استراتيجياً يتجاوز حدوده الإقليمية، من دون أن يعني ذلك ارتباط الاتفاق مؤسسياً بالحلف.
فيما تضيف باكستان عنصراً مختلفاً لا يقل أهمية؛ فهي قوة عسكرية كبيرة تمتلك قدرات نووية وخبرة استراتيجية متراكمة، الأمر الذي يضيف إلى التفاهم بعداً ردعياً يتجاوز مفهوم التعاون الدفاعي التقليدي.
وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في توقيت واحد، تصبح الرسالة أكبر من مجرد تنسيق عسكري.
نحن أمام محاولة لبناء معادلة أمنية أكثر توازناً، تستند إلى القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والردع الاستراتيجي، والتأثير السياسي، والامتداد الجغرافي.
وهنا تصبح قراءة التوقيت أكثر أهمية من قراءة البنود؛ لأن البنود تشرح ما اتُّفق عليه، أما التوقيت فيكشف لماذا اتُّفق عليه الآن.
والسبب الأعمق أن المنطقة نفسها تبدو وكأنها تغادر مرحلة وتدخل أخرى.
الحرب الأخيرة كشفت حدود الترتيبات الأمنية التي سادت المنطقة لسنوات، وأظهرت أن الاعتماد على ترتيبات أمنية تقليدية لم يعد كافياً أمام سرعة التحولات العسكرية والسياسية. كما كشفت أن دول المنطقة باتت أكثر اهتماماً ببناء قدراتها الذاتية وتوسيع شراكاتها، بدلاً من انتظار أن تحدد القوى الكبرى وحدها شكل الأمن الإقليمي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الاتفاق.
فهو لا يعكس فقط رغبة ثلاث دول في التعاون، بل يعكس أيضاً إدراكاً بأن الأمن في المرحلة المقبلة قد لا يُبنى بالطريقة التي بُني بها في المرحلة السابقة.
ولعل ما يعزز هذا الفهم أن البيان المشترك لم يقدم الاتفاق بوصفه إطاراً مغلقاً، بل أبقى الباب مفتوحاً أمام الدول الراغبة في الانضمام.
وهذه ليست عبارة بروتوكولية عابرة؛ فهي تفتح احتمال انتقال الاتفاق من إطار ثلاثي إلى نواة لترتيب أمني أوسع، إذا استمرت البيئة الاستراتيجية في المنطقة في الاتجاه نفسه.
والتاريخ يعلمنا أن التحالفات الكبرى لم تبدأ يوماً مكتملة. كثير من التكتلات التي أصبحت لاحقاً مؤثرة في موازين القوى بدأت بعدد محدود من الدول، ثم توسعت مع تغير البيئة الدولية والإقليمية.
لذلك، فالعبرة ليست بعدد المؤسسين اليوم، وإنما بقدرة الفكرة على النمو واستيعاب المتغيرات غداً.
وهنا يبرز السؤال العراقي.
فالعراق، حتى وإن لم يكن طرفاً في هذا الاتفاق، ليس خارج المعادلة التي تتشكل.
إنه يقع في قلب الجغرافيا التي تتقاطع عندها مصالح الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، وأي إعادة صياغة لمنظومة الأمن الإقليمي ستترك أثرها المباشر عليه.
ولهذا، فإن السؤال العراقي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا لم نكن جزءاً من هذا الترتيب؟
السؤال الأهم هو: كيف نستعيد الدولة القادرة على أن تكون جزءاً من ترتيبات المنطقة، لا ساحةً لتصفية صراعاتها؟
ذلك أن المشكلة العراقية ليست في غياب الجغرافيا أو التاريخ أو الإمكانات. المشكلة في غياب القرار الوطني القادر على تحويل هذه العناصر إلى قوة سياسية واستراتيجية.
العراق الذي كان في مراحل سابقة رقماً مؤثراً في معادلات المنطقة، لا يستطيع أن يستعيد موقعه بمجرد الاعتراض على التحالفات التي تتشكل من حوله. استعادة الموقع تبدأ باستعادة الدولة، واستقلال القرار، واحتكار السلاح، وبناء سياسة خارجية تعرف أين تقف وماذا تريد.
فالمنطقة لا تنتظر أحداً.
والدول التي تستعد اليوم للمستقبل لن تتوقف غداً لتسأل الدول الغائبة عن سبب غيابها.
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة انتقالية، وربما أمام ولادة نظام إقليمي مختلف. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكتفي الدول بمتابعة الأحداث، بل تبادر إلى صناعة أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، حتى لا تجد نفسها خارج معادلات المستقبل.
ولهذا، فمن الخطأ أن نقرأ الاتفاق بوصفه نتيجة؛ إنه في الحقيقة مقدمة.
فالترتيبات الكبرى لا تُبنى عادةً بعد اكتمال التحولات، بل قبلها، لأنها تمثل استعداداً لما هو آتٍ أكثر مما تمثل استجابة لما مضى.
ولهذا، فإن العنوان الحقيقي ليس “اتفاق الدفاع المشترك” فقط، بل توقيت هذا الاتفاق.
وفي عالم السياسة، قد تختلف التفسيرات حول نصوص الاتفاقيات، وقد تتعدد القراءات حول أهدافها المباشرة، لكن التوقيت يظل من أكثر اللغات صدقاً في السياسة؛ لأنه يكشف ما تخشاه الدول، وما تستعد له، وما تريد أن تكون عليه قبل أن تتشكل الصورة النهائية.
بعض الدول قررت أن تستعد للمستقبل قبل أن يصل.
وبعضها الآخر ما زال ينتظر حتى يصبح المستقبل واقعاً مفروضاً عليه.
والقاعدة الذهبية في الاستراتيجية بسيطة: من يقرأ الزمن جيداً، يكون أقدر على صناعة مستقبله وحضوره.

