حين تتخارج الدولة.. مَنْ سيملك الاقتصاد المصري؟

2

   دينا عبد الفتاح  

هناك فارق هائل بين أن تنتقل الأصول إلى شركات مصرية واسعة الملكية، ومؤسسات استثمارية، وصناديق معاشات، وملايين المساهمين، وبين أن تنتقل إلى عدد محدود من المستثمرين المحليين أو الأجانب، خصوصًا إذا تركزت فى الأراضى والعقارات والأصول القائمة وحقوق التطوير طويلة الأجل.

فى السيناريو الأول، تنتقل مصر من دولة مالكة إلى مجتمع مالك ومنتج، أما فى السيناريو الثانى، فقد تنتقل من دولة مالكة إلى اقتصاد تتركز فيه ملكية الأصول الكبرى لدى عدد محدود من رؤوس الأموال، بينما يظل المواطن حاضرًا باعتباره موظفًا وعاملًا ومستهلكًا، لا باعتباره مالكًا لرأس المال..

مسارات انتقال الملكية

 

أخبار متعلقة
دينا عبد الفتاح

ضوابط مطلوبة لحماية ملاك الـ«كومباوندات» من هيمنة المطور العقاري

دينا عبد الفتاح

الثانوية العامة 2026.. جيل يتخرج في نظام تعليمي لم يعرفه يومًا

دينا عبد الفتاح

الساحل الشمالي.. عندما يصبح البحر أضيق من أحلام ملاك العقارات!

 

خروج الدولة من أصل أو شركة لا يعنى شيئًا واحدًا، إذ هناك أربعة مسارات رئيسية يمكن أن تنتقل من خلالها الملكية أو السيطرة الاقتصادية..

أولًا: بيع الأصل، وفى هذه الحالة تحصل على إيراد فورى، لكنها تتخلى عن جزء من العوائد المستقبلية التى يمكن أن يولدها الأصل.

لكن الأثر الاقتصادى يتوقف على هوية المشترى، فإذا انتقلت الملكية إلى شركة مصرية واسعة الملكية، فقد يؤدى البيع إلى توسيع القطاع الخاص المحلى، أما إذا انتقلت إلى صندوق أجنبى أو مجموعة محدودة من المستثمرين، فقد تخرج العوائد المستقبلية إلى الخارج أو تتركز لدى عدد قليل من المالكين.

ثانيًا: طرح الأسهم فى البورصة، وهذا المسار يمكن أن يوسع قاعدة الملكية، لكنه لا يضمن تلقائيًا ملكية شعبية.. فقد تظل الأسهم مركزة لدى مؤسسات أو مستثمرين كبار، بينما تكون مشاركة الأفراد محدودة

ثالثًا: حقوق الانتفاع والتطوير، وهنا قد تظل الأرض مملوكة للدولة قانونيًا، بينما يحصل المستثمر على حق استخدامها وتشغيلها وتحقيق إيرادات منها لعقود..

لكن لا يكفى السؤال: هل باعت الدولة الأرض؟ بل يجب أن نسأل: من يسيطر على الأصل اقتصاديًا؟ ومن يحصل على الإيرادات؟ وما مدة الحق؟ وهل توجد آليات لمراجعة العوائد إذا ارتفعت قيمة الأصل بصورة كبيرة؟

رابعًا: الاستثمار الأجنبى المباشر، وهو مرادفًا تلقائيًا لشراء الأصول، فقد يشمل إنشاء مشروعات جديدة، وإعادة استثمار الأرباح، وزيادة رأس المال، وكذلك بعض عمليات الاندماج والاستحواذ.

من يملأ الفراغ؟

عندما تنسحب الدولة من ملكية أصل أو شركة، فإن الملكية لا تختفى، بل تنتقل إلى طرف آخر، فإذا خرجت الدولة من مصنع ودخل مستثمر ضاعف الإنتاج والصادرات، فقد تكون النتيجة أفضل من استمرار إدارة حكومية منخفضة الكفاءة، أما إذا خرجت الدولة من أصل إستراتيجى وانتقلت ملكيته إلى عدد محدود من المستثمرين، دون توسيع قاعدة الملكية المصرية، فنحن أمام تغيير فى صاحب الملكية لا توسيع لها.. وهنا تتجلى بعض المخاطر الاقتصادية والاجتماعية مثل:

تغول اللاعبين الخارجيين: فلا يتعلق الأمر بجنسية المستثمر وحدها، بل بحجم الأصل وطبيعة النفوذ الذى تمنحه ملكيته، كما يجب الحذر من الخلط بين تدفقات الاستثمار الأجنبى وتحويلات الأرباح..

فإذا اشترى مستثمر أجنبى أصلًا يحقق دخلًا محليًا، فقد تدخل أموال إلى مصر عند إتمام الصفقة، ثم تخرج أرباح مستقبلية إلى الخارج، أما إذا بنى مصنعًا تصديريًا، فإن المشروع يستطيع توليد عملة أجنبية من خلال الإنتاج والتصدير، وليس فقط من خلال جذب رأسمال جديد. إذًا، الخطر ليس فى وجود المستثمر الخارجى، بل فى أن يصبح تملك الأصول النادرة أسرع من بناء قاعدة إنتاجية وملكية محلية واسعة. تمدد الاقتصاد الريعى: الاستثمار الإنتاجى أصعب من الاستثمار فى أصل نادر، فبناء مصنع يحتاج إلى معدات وتكنولوجيا وعمال وأسواق وتصدير، أما امتلاك أرض فى موقع متميز فقد يحقق عائدًا كبيرًا نتيجة ارتفاع قيمة الأصل نفسه. إذا أصبح العائد المتوقع من العقار أعلى من العائد المتوقع من الصناعة، فقد يتجه رأس المال والائتمان والمواهب إلى الأصول بدل الإنتاج. وقد يفضل المستثمر شراء أصل ترتفع قيمته بسرعة على بناء مصنع يحتاج إلى سنوات حتى يسترد استثماره..

وعندها لا يصبح الاقتصاد الريعى مجرد قطاع داخل الاقتصاد، بل يبدأ فى سحب رأس المال من الاقتصاد المنتج.

ولا يمكن إثبات تحول الاقتصاد كله إلى العقار من خلال مؤشرات عامة، لكن يمكن اختبار هذه الفرضية بمقارنة عوائد القطاعات، وتوزيع الائتمان، وتكوين رأس المال، ومعدلات الاستثمار الصناعى، ونمو الإنتاجية والصادرات.

تركّز الثروة: ارتفاع قيمة الأصول ينتج ثروة للمالك، لكنه يجعل دخول غير المالكين أكثر صعوبة.. فالعامل فى الفندق أو المشروع العقارى يحصل على راتب، بينما يحصل مالك الأرض أو العقار على الأرباح وارتفاع قيمة الأصل، ومع مرور الوقت، يصبح تراكم الثروة أسرع لدى أصحاب الأصول من أصحاب الأجور.

الاعتماد على التدفقات الخارجية: إذا اعتمد الاقتصاد على بيع الأصول أو جذب الأموال لتمويل احتياجاته الحالية، فقد يصبح بحاجة مستمرة إلى تدفقات جديدة. أما الاقتصاد المنتج فيبنى قدرة على توليد العملة الأجنبية من خلال التصدير. وهذا هو الفارق بين اقتصاد يجذب الدولار واقتصاد ينتج الدولار.

الأرض هى الحالة الأكثر حساسية

التخارج وتخصيص الأراضى من الأمور الأكثر حساسية فى ملف ملكية الدولة، فيمكن بناء مصنع جديد وإنشاء شركة تكنولوجيا جديدة، لكن لا يمكن إنتاج ساحل جديد أو موقع جغرافى إستراتيجى جديد. لذلك تختلف صفقة الأرض عن صفقة المصنع.

فى 23 فبراير 2024، أعلنت الحكومة المصرية اتفاقًا مع شركة «القابضة» الإماراتية لتطوير منطقة رأس الحكمة مقابل 35 مليار دولار ، شملت الصفقة 24 مليارًا استثمارًا جديدًا، إضافة إلى 11 مليار دولار من ودائع إماراتية لدى البنك المركزى المصرى يجرى تحويلها إلى استثمارات، مع احتفاظ الدولة المصرية بحصة 35٪ فى شركة المشروع.

لا يمكن اختزال الصفقة فى القول إن مصر «باعت الأرض مقابل 35 مليار دولار»، فالمبلغ يتكون من عناصر مختلفة، والصفقة تتضمن تطويرًا واستثمارًا وهيكل ملكية، لا مجرد تحويل نقدى بسيط.. لكن السؤال يتعلق بكيفية توزيع القيمة المستقبلية، ومن سيحصل على الإيرادات والأرباح وارتفاع قيمة الأرض خلال العقود المقبلة، وما حجم الوظائف والصادرات وسلاسل التوريد التى سيولِّدها المشروع.

الدرس اللبنانى

تقدم تجربة لبنان تحذيرًا مهمًا، مع التأكيد على أن مصر ليست لبنان.

النموذج اللبنانى قبل الأزمة اعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رأس المال والتحويلات والقطاع المالى والعقارات والخدمات، مع ضعف نسبى فى القدرة التنافسية والإنتاجية، كما اتسم النموذج الاقتصادى السابق بالاعتماد على تدفقات رأس المال وارتفاع الفوائد واحتكارات الاستيراد، بما أضعف النشاط الإنتاجى. ثم دخل لبنان فى واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية فى العالم خلال العقود الأخيرة، وانكمش الناتج الحقيقى بصورة حادة منذ بداية الأزمة، وارتفعت معدلات الفقر، وتآكلت قيمة العملة والمدخرات.

هذه وقائع، أما الدرس التحليلى فهو أن الاعتماد على تدفقات مالية وعقارية لا يوفر بديلًا مستدامًا عن الإنتاج والتصدير، فعندما توقفت التدفقات، لم تكن هناك قاعدة إنتاجية كافية لتعويضها. لا يعنى ذلك أن العقارات وحدها سببت الأزمة اللبنانية، فقد تداخلت معها اختلالات مالية ونقدية وسياسية ومصرفية. كما لا يعنى أن مصر تسير حتمًا فى الاتجاه نفسه، لكن التجربة توضح الخطر الذى ينبغى مراقبته: اقتصاد ترتفع فيه قيمة الأصول أسرع من قدرته على إنتاج السلع والخدمات القابلة للتصدير.

معايير عملية لتقييم مسار التخارج

حتى لا يتحول النقاش حول تخارج الدولة إلى صراع بين مؤيدين ومعارضين، تحتاج مصر إلى 8 معايير واضحة لتقييم كل صفقة وكل أصل، بما يضمن قياس العائد الاقتصادى طويل الأجل وليس قيمة البيع فقط.

أول هذه المعايير هو طبيعة الأصل، وما إذا كانت الصفقة تنقل ملكية شركة إنتاجية قائمة، أم تتعلق بأرض أو حق تطوير أو امتياز طويل الأجل. وثانيها هوية المالك الجديد ومدى اتساع قاعدة الملكية ومشاركة المستثمرين والمؤسسات المصرية. أما المعيار الثالث فيتعلق بـأثر الصفقة على الإنتاج من حيث الوظائف والصادرات والإنتاجية ونقل التكنولوجيا ودمج الشركات المصرية فى سلاسل التوريد. ويرتبط به المعيار الرابع الخاص بـتوزيع العوائد المستقبلية، بحيث لا يقتصر التقييم على الحصيلة التى تحصل عليها الدولة عند البيع، وإنما يمتد إلى الأرباح والإيجارات وزيادة قيمة الأصل خلال مدة العقد أو حق الانتفاع. ويتمثل المعيار الخامس فى أثر الصفقة على العملة الأجنبية، ومدى قدرة المشروع على توليد موارد دولارية مستدامة من التصدير والسياحة والخدمات، وليس الاعتماد فقط على دخول رأس المال وخروج الأرباح لاحقًا. أما المعيار السادس فهو توسيع قاعدة الملكية، بما يتيح للمواطنين والمؤسسات المصرية الاستفادة من الأصول وعدم تركّز ملكيتها فى عدد محدود من المستثمرين.

ويكمن المعيار السابع فى استخدام حصيلة البيع، بحيث يوجه جزء معتبر من قيمة الأصول الدائمة إلى تكوين أصول جديدة منتجة، مثل الصناعة والبنية الأساسية والتعليم التكنولوجى أو صناديق الثروة، بدلًا من استهلاك الحصيلة بالكامل فى الإنفاق الجارى.

وتأتى الشفافية والمراجعة الدورية كمعيار ثامن، من خلال نشر البيانات الأساسية الخاصة بالتقييم وهيكل الملكية ومدة حقوق الانتفاع وخطط التنفيذ ومؤشرات التشغيل، بما يسمح بقياس النتائج ومراجعة مدى تحقيق الصفقة لأهدافها.

التعليقات معطلة.