الخوارزميات.. علاقة بلا حق انتهاء

2

  رشا زيدان  

فى فيلم «The Bodyguard»، وفى واحد من أهم مشاهده، يكتشف الحارس الخاص أن شقيقة المغنية التى يتولى حمايتها هى التى استأجرت قاتلًا لقتل شقيقتها. يطلب منها أن تتصل بالقاتل وتلغى الاتفاق، فتجيبه: «لن يتوقف حتى يقتلها… لقد دفعت له أجره كاملًا، ولا يعرف هوية من استأجره».

لطالما رأيت هذا الحوار عبقريًا، لأنه يعبر عن مواقف كثيرة يفقد فيها أصحاب القرار قدرتهم على التراجع عن قرارات اتخذوها مسبقًا.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن نرى العالم الآن باعتباره «طرفًا أول»، والخوارزميات باعتبارها «طرفًا ثانيًا» فى علاقة بدأناها بإرادتنا، لكننا لم نعد نملك السيطرة الكاملة على مسارها.

فى الأسبوع الماضى، ظهر أمامى فيديو أثار اهتمامى، فأعجبت به وأرسلته إلى صديق أعرف أنه سيجد فيه ما يثير اهتمامه. وكالعادة، قامت الخوارزمية بعملها على أكمل وجه، فأغرقتنى بالمزيد من المحتوى المشابه. لكن المفاجأة أن الفيديوهات التى أثارت إعجابى بدأت تظهر لصديقى أيضًا.

فى تلك اللحظة، فكرت فى هذا العالم الهائل، المتعدد اللغات، الذى يضم مليارات البشر: كيف استطاع برنامج أن يلتقط بهذه الدقة تفصيلًا صغيرًا كهذا، ثم يبنى عليه؟

هنا أدركت أن الخوارزمية لا تسلينا فقط. إنها تراقب بدقة ما يجذبنا، وما نتوقف أمامه، وما نشاركه، ثم تقدم إلينا أشباهه بكميات أكبر.

وهنا تبدأ المشكلة. فعندما تقدم لنا الخوارزمية الآراء التى تشبه آراءنا، والموضوعات التى نحبها، والمحتوى الذى يتفق مع اهتماماتنا، فإنها تصنع لنا تدريجيًا فقاعة مريحة، نعيش داخلها محاطين بما نحب، وبعيدين عما يختلف عنا.

وهذه ليست مجرد مشكلة، بل ناقوس خطر. فالإنسان لا ينضج داخل منطقة الراحة. نحن ننضج بالاطلاع على المختلف، وبخوض التجارب الجديدة، وبالمعرفة التى تأتى أحيانًا من أشياء لا تشبهنا. فإعادة إنتاج اهتماماتنا وآرائنا قد تمنحنا شعورًا بالراحة، لكنها فى الوقت نفسه قد تعزلنا عن واقعنا الحقيقى.

فى كل العقود، هناك طرف أول وطرف ثانٍ، ولكل طرف حقوق وواجبات، ويملك الطرفان حق إنهاء العلاقة. وحتى فى العلاقات الإنسانية، يستطيع أحد الطرفين أن يضع نهاية للعلاقة. لكن ماذا عن علاقتنا بالخوارزميات؟

إذا قررنا يومًا أن خصوصيتنا أهم من هذا التقدم الرقمى، فهل نملك القدرة على الانسحاب؟ هل نستطيع أن نطلب منها أن تتوقف عن مراقبتنا، وتنسى ما عرفته عنا، وتعيد لنا العالم كما كان قبل أن تعرف ما نحب وما نكره؟

أم أننا سنكتشف أننا أصبحنا الطرف الأضعف فى علاقة فرضت علينا ولا نملك قرار إنهائها، وسنقول نفس الجملة التى قيلت فى فيلم «The Bodyguard»: «لن يتوقف… لقد دفعت له أجره كاملًا».

التعليقات معطلة.