العراق أكبر من طبقة سياسية أصغر من أزماته

2

 

ليس أقسى على العراق من أن يكون بلداً بالغ الأهمية، محاطاً بصراعات إقليمية ودولية معقدة، بينما تُدار سياسته بعقلية أصغر بكثير من حجم الجغرافيا والتاريخ والمصالح التي يفترض أن تحميها.
المشكلة العراقية اليوم ليست في نقص السياسيين، بل في نقص السياسة. وليست في كثرة الأحزاب، بل في غياب الرؤية التي تجعل من هذه الأحزاب أدوات لخدمة الدولة، لا أدوات للاستحواذ عليها.
فمنذ ٢٠٠٣، تحولت السياسة العراقية في جانب كبير منها إلى إدارة للمصالح الحزبية والطائفية والشخصية، بدلاً من أن تكون مشروعاً لبناء دولة. ومع مرور السنوات، أصبح الوصول إلى السلطة هدفاً بحد ذاته، بينما تراجعت أسئلة أكثر أهمية: ما شكل الدولة التي نريدها؟ ما موقع العراق في الإقليم؟ كيف نحمي مصالحه وسط صراع القوى الكبرى؟ وكيف نحول موقع العراق الجغرافي والثروات البشرية والاقتصادية إلى عناصر قوة بدلاً من أن تتحول إلى أسباب للصراع عليه؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى عقل سياسي استراتيجي، لا إلى سياسي يجيد إدارة الصفقة، أو توزيع المناصب، أو تدوير الأزمات.
العراق ليس دولة هامشية يمكن أن تعيش بردود الأفعال. إنه يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح إيران وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة والقوى الدولية، وتحيط به ملفات أمنية واقتصادية وطائفية وجيوسياسية شديدة الحساسية.
في مثل هذا الموقع، لا يكفي أن يكون المسؤول صاحب خبرة انتخابية. المطلوب أن يفهم التاريخ والجغرافيا والاقتصاد الدولي وتوازنات القوى وطبيعة النظام الإقليمي، وأن يمتلك القدرة على التمييز بين الحليف والشريك والوسيط والوصي.
لكن المعضلة أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية ما زال يتعامل مع العراق باعتباره ساحة لتقاسم النفوذ، لا دولة يجب أن تمتلك مشروعاً مستقلاً.
وهنا تكمن الكارثة.
فالدولة التي لا تمتلك قرارها تصبح قراراتها انعكاساً لمصالح الآخرين. والسياسي الذي لا يمتلك رؤية وطنية يتحول، شاء أم أبى، إلى أداة في صراع أكبر منه.
والأخطر من ذلك هو الفقر الثقافي والسياسي الذي يجعل بعض الخطاب السياسي العراقي عاجزاً عن رؤية العالم خارج حدود الطائفة والحزب والمحور. العالم يتغير بسرعة، وموازين القوة يعاد تشكيلها، بينما لا يزال بعض السياسيين يتحدثون بعقلية صراعات الأمس.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يعرفون كيف يصلون إلى السلطة؛ بل يحتاج إلى رجال دولة يعرفون ماذا يفعلون بها بعد الوصول إليها.
لا يحتاج إلى من يحفظ شعارات المحاور، بل إلى من يفهم مصالح العراق.
لا يحتاج إلى من يفسر العالم من خلال ولائه السياسي، بل إلى من يستطيع أن يختلف مع أقرب حليف إذا تعارضت سياساته مع مصلحة بلده.
وهذا لا يعني إقصاء أحد أو احتكار الوطنية من طرف سياسي دون آخر. بل يعني وضع معيار جديد للعمل السياسي: الكفاءة قبل الولاء، الدولة قبل الحزب، والمصلحة الوطنية قبل المحور الخارجي.
لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً بسبب غياب الدولة القوية، وتضخم نفوذ القوى غير الحكومية، وتحول العراق في مراحل كثيرة إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
ولذلك فإن استمرار العقل السياسي نفسه ليس مجرد مشكلة سياسية؛ إنه تهديد لمستقبل الدولة.
العراق أكبر من الطبقة السياسية الموجودة فيه، وأقدم من أحزابها، وأبقى من زعاماتها. ومن الخطأ التاريخي أن يُختزل بلد بهذا الحجم في مجموعة من القوى التي تتنافس على السلطة بينما يتنافس الآخرون على رسم مستقبل المنطقة.
المطلوب ليس تغيير الوجوه فقط، بل تغيير العقل السياسي.
عراق بهذا الموقع لا يمكن أن يقوده من يفكر بعقلية الدورة الانتخابية القادمة. يحتاج إلى من يفكر بعقلية العقد القادم، والجيل القادم، ومكانة العراق بعد عشرين عاماً.
فالسياسة ليست أن تعرف كيف تبقى في السلطة؛ السياسة أن تعرف كيف تجعل الدولة أقوى منك ومن حزبك ومن جيلك السياسي كله.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
العراق لا يعاني من قلة السياسيين، بل من ندرة رجال الدولة.

التعليقات معطلة.