مجدي نصار يسقط الأقنعة في قصص “نظرية حسن مرعينيو”
لنا عبد الرحمن
لوحة للرسامة المصرية انجي أفلاطون (موقع التشكيل المصري)
ملخص
رجل يصرخ في وجه صديقه فلا يسمعه أحد، آخر تستدعيه الشرطة لأن أثاث بيته اشتكى منه، وثالث يكتشف أن وجهه نسي كيف يضحك على رغم أن قلبه يضج بالفرح. من الذي يحظر ضحكك، ومن يحاكم أثاثك؟ بين هذه الصور وغيرها، تتحرك المجموعة القصصية “نظرية حسن مرعينيو” (دار العين)، للقاص والروائي مجدي نصار.
ست قصص لا يجمعها موضوع واحد بقدر ما يجمعها سؤال يطرح من زوايا مختلفة: كيف تصادر إرادة الإنسان وحريته من سلطة تدعي حمايته؟
تنتقل المجموعة، بلا تردد، من الواقعية الغرائبية في “حارة الحارة”، إلى الواقعية السحرية في “عزبة مليكة”، إلى العبثية في “مركز حقوق الأشياء”. ثم نقد ثقافة الترند في “ضحكة سيبو”، فالقصة السياسية النفسية المكثفة في “نظرية حسن مرعينيو”، وصولاً إلى قصة ميتاسردية صريحة في “برتقالة وشوكة وسكين”.
هذا التنويع السردي ليس استعراضاً تقنياً، بل خيار واع: كل قصة تختبر رؤية مختلفة: سلطة الدولة، وسلطة المجتمع، وسلطة الإعلام، وسلطة الكاتب على شخصياته، وكأن نصار يقول إن القمع ليس له صورة واحدة، فلماذا يكون للعالم السردي صورة واحدة!
فانتازيا يومية
تبدأ “حارة الحارة” بجملة إنذارية: “اليوم… ستنهار أسطورة نعيمة نعيم”، ثم تنزلق سريعاً إلى فرضية أقرب للفانتازيا الاجتماعية، “حظر الكلام” على من يسب أو يتنمر أو يجادل في السياسة، فيغدو الناس عاجزين عن سماع بعضهم بعضاً. البطل يصرخ ويشتم صديقه أشرف الشريف في الأتوبيس من دون أن يسمعه أحد. ثم يتحول التواصل في العمل ومحل الحلاقة إلى كتابة على الورق، وصولاً إلى تصعيد الحظر تدريجاً حتى إعلان منع البكاء في ختام القصة.
المجموعة القصصية (دار العين)
وبالتوازي هناك محور زوجي واقعي: بطل تحاصره رغبات مكبوتة تجاه نعيمة نعيم التي أذلته صبياً بلقب “الموكوس”، مقابل زوجته فهيمة فهيم الحاضرة الغائبة، التي يظهر جفاؤها في عدة مشاهد، ثم برفض صامت لمصالحة يتخيلها البطل قبل أن يصطدم بواقعها الفعلي. المحوران، على رغم اختلافهما، يتشاركان جوهراً واحداً هو عجز البطل عن التواصل الحقيقي مع من حوله، بحيث تتحول “حارة الحارة” إلى مسرح تتقاطع فيه رقابة السلطة على الكلام مع رقابة أصغر لا تحتاج مرسوماً حكومياً لتفرض صمتها، فمنطق الحظر يتوالد إلى ما لا نهاية، والقصة تحاكي هذا التوالد ببنيتها لا بمضمونها فحسب.
يعود موتى “عزبة مليكة” إلى الحياة ويعبرون شوارعها بملابسهم الأخيرة، فتنكشف أسرار ظلت مطمورة عقوداً: زوجة الشيخ التي خانته، ابن ضائع منذ 30 عاماً، جريمة قتل مخفية في قبر مزدوج. تعمل القصة بتقنية بانورامية، مقاطع قصيرة متتالية، كل مقطع يفتح قصة عائلة أو فرد، بلا بطل مركزي واحد، بل جماعة كاملة من الشخصيات. تنتهي القصة بزلزال يجتاح العزبة في مشهد كورالي طويل يوازي بين مصائر عشرات الشخصيات، ما يستحق التوقف عنده هو كم الأسماء والأنساب المتشابكة، بما يخدم الإيهام بواقعية عالم قروي متكامل، لكنه يثقل القارئ بعبء تتبع عشرات الخيوط دون مساحة كافية لتعميق أي منها نفسياً، وهو ثمن مألوف لهذا النوع من البناء البانورامي المحتشد، الذي يستدعي إلى الذهن رواية “مائة عام من العزلة”.
تدور قصة “مركز حقوق الأشياء” حول راو بلا اسم يستيقظ ليجد أثاث بيته قد اختفى جزئياً دون أثر اقتحام تقليدي، ليتكشف له أن “اللص” هو الأشياء نفسها، إذ استحدث في قسم الشرطة طابق باسم “مركز حقوق الأشياء” يستدعيه الضابط للتحقيق بناءً على شكوى قدمتها ممتلكاته ضده! المفارقة صريحة ومقصودة: خلفية الحدث حكاية صحافي رفضت شكواه فقلب القصة بالمطالبة الساخرة بأن “للأشياء حقوقاً”، فتحولت السخرية إلى قانون فعلي ومؤسسة كاملة، بينما يظل البطل بلا أي حق يحتج به.
تبلغ ذروة الحدث حين يفرض عليه، كنوع من “التصالح”، أن يتبنى لوحة قرد تعويضاً عن أثاثه المصادر، في مشهد يختصر منطق الدولة الأبوية التي تحمل مواطنها عبئاً من اختراعها هي، وتلبسه ثوب الامتنان مقابل ذلك. لنقرأ: ” كيف تشكوني أشيائي؟ هل تتكلم الأشياء؟ هل جاءت بنفسها؟ هل يتآمرون علي؟ انتفضت الأشياء، هتفت مع المعتصمين، سمعناها. امتلأت الأقسام بالأشياء الشاكية. أصبح في كل قسم مركز لحقوق الأشياء”.
ثقافة “الترند”
في “ضحكة سيبو” يفقد الصحافي سباعي وهدان، الملقب بـ”سيبو”، قدرته الجسدية على الضحك على رغم بقاء إحساسه الداخلي بالفكاهة سليماً، يستمع لرسالة صوتية مضحكة فينفجر “بركان ضحك” في قلبه بينما يظل وجهه “جامداً كدمية صامتة”. هذا العطب سرعان ما يتحول، بفعل رئيسه في الصحيفة وابنته الصحافية كارما، إلى مادة إعلامية استهلاكية بحتة: مقالة افتتاحية مثيرة، يليها طوفان من العناوين المتضاربة، شيخ أزهري، خبيرة أبراج، طبيب نفسي، بل ومدرب المنتخب، في مشهد يظهر كيف تتحول مأساة صغيرة إلى “ترند” يتغذى على ذاته بلا معيار للحقيقة. بالتوازي، تجري علاقة سيبو مع الصحافية مادا، وخيط غامض عن “أمانة” مفقودة يتكشف قرب النهاية عن ارتباطه بجريمة قتل حقيقية تظل مهمشة أمام ضجيج ضحكته التافهة نسبياً، في تعليق ضمني على أن آلة الإعلام لا تصطاد بالضرورة الحدث الأهم، بل الأكثر قابلية للتسويق.
معرفة محرمة
تفتتح “نظرية حسن مرعينيو” بأسطورة عن امرأة فقيرة اكتسبت “معرفة” أسرار البيوت الثرية، كلما أكلت طعام أهلها، ثم ذات صباح حين باحت بسرها لزوجها فارقت الحياة على الفور، من دون أن يعرف الزوج وهو يدفنها أن رأس الزوجة يُطهى في قدر كبير.
تبدو هذه الأسطورة المفتاح التأويلي للقصة كلها: المعرفة بأسرار الآخرين فعل خطر يستدعي عقاباً. حسن مرعي، بطل القصة فقد صديقه كمال برصاصة أثناء تظاهرة، ويخطط بمساعدة صديقه الفقير يحيى لانتقام بطيء عبر استخدام الزرنيخ، بحيث يمرر من خلال تفتيش قمامة المستهدفين، ثلاثة رجال يرمز إليهم بأسماء “الأسد” و”النمر” و”القط” بحسب موقعهم في تسلسل الأمر بإطلاق النار. وفي موازاة خط الانتقام، يعيش حسن علاقتين متزامنتين: مع سناء العسال، الأرملة التي احتضنته مادياً وعاطفياً في شبابه، وزواجه من شيرين، أرملة كمال نفسه، بدافع مركب بين الحب والشعور بالواجب، فيصبح أباً بديلاً لطفل صديقه القتيل.
اقرأ المزيد
قصص هدى حمد ترفض الحلول في مجموعة “لا يلتئمان”
قصص غرائبية بنكهة سوداء في “الأشياء التي فقدناها”
يتكرر عبر القصة نمط “الأسئلة” التي تتعارك في رأس حسن كالكلاب الشرسة: لماذا يقتل من ناضل ولا يحاسب من أمر بقتله؟ لماذا ينتقم من امرأة تخلت عن رجل بينما هو الذي هجرها أولاً؟ لا توجد إجابات واضحة، لهذه الأسئلة، لذا يظل حسن يدور في بوتقة فارغة. ثمة تفصيل بنيوي دقيق: لقب “حسن مرعي” الطفولي، “مرعينيو الحريف”، المرتبط بحلم صبي بامتلاك طاقية إخفاء سحرية، يتجسد حرفياً في أسلوب حسن البالغ حين يخطط لتنفيذ انتقامه: التخفي، انتحال الهويات الموقتة، والفعل من مكان لا يرى فيه أبداً.
فالاسم الذي يبدو نكتة طفولية عابرة يتكشف عن كونه مفتاحاً لبنية الشخصية كلها، وعنوان القصة لا يشير إلى نظرية فكرية يطرحها البطل، بل إلى منطقه الشخصي في التعامل مع العالم: عالم يُدار من الظل، بلا شهود، وبلا اعتراف. يقول: “يسأل ولا يصل لإجابات، لكنه يدرك أن الوقوع في حب امرأة منحت قلبها لآخر أقسى من اختراق رصاصة لقلب أعزل. مأساة حسن أنه يعرف مأساته ويدرك تماماً أن المعرفة شر، وأن المرء حين يسبر أغواراً بعيدة عليه أن يتوقع وصول الآخرين ببساطة إلى الأغوار ذاتها.”
تقوم قصة “برتقالة وشوكة وسكين” على بنية ميتاسردية صريحة: كاتب يخلق شخصيتين من تمثالين خياليين يشكلهما في رأسه من حلم، سعاد، الأرملة “امرأة البرتقالة”، وحسن، الطبيب المتزوج الذي يقرر الراوي أن ينجذب لها على رغم زوجته المثالية، في مشهد يكشف صراحة آلية “صناعة” الشخصيات وتفاوضها مع كاتبها على حبكتها. اسم “حسن” في القصة ليس محايداً، فتكراره، وهو نفسه اسم بطل القصة السابقة، يبدو توقيعاً متعمداً يربط النصين، وكأن “حسن” في كل مرة صيغة أخرى للرجل نفسه المسكون بازدواجية الرغبة والواجب.
والذروة تأتي في المشهد الختامي حين تقتحم المشهد زوجة حسن، عزة، لتدين الجميع بخطاب واحد حاسم يصفهم بالساقطة والعاهرة والحمار، فتنقلب موازين القصة كلها: السلطة الفعلية لا تعود للراوي، الكاتب، بل لامرأة كانت حتى تلك اللحظة مجرد “خلفية” وظيفية، في مشهد يمنح القصة بعداً نسوياً مضمراً يساءل بأثر رجعي منطق تصنيف المرأة إلى أرملة، مطلقة، عانس. تفلت النساء، في المشهد الأخير تحديداً، من التصنيف الذكوري الذي حاصرهن به النص طوال خمس قصص سابقة. هذا التماسك الخفي، المتجلي في تكرار اسم “حسن” كقناع متنقل، وفي تكرار فكرة القمامة كموقع كشف، وفي إصرار القصص على نهايات مبتورة لا تمنح القارئ راحة الحسم، هو ما يمنح المجموعة اختلافها السردي، ويجعلها تقدم عملاً متماسكاً يسائل السلطة بكل أقنعتها، دون أن يقدم إجابة مريحة.
إرادة الإنسان وحريته تصادرهما سلطة تدعي حمايتهما

التعليقات معطلة.
