إيران تضع الشروط لأمريكا… من يملك مفتاح هرمز؟

12

 

 

لم تعد قضية مضيق هرمز مجرد أزمة ممر مائي أو خلاف على الملاحة. إذا صحّت الشروط المنسوبة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فنحن أمام محاولة إيرانية صريحة لقلب طاولة التفاوض: طهران لا تتحدث كدولة تبحث عن مخرج من الأزمة، بل كدولة تريد أن تفرض على الولايات المتحدة شروط الخروج منها.

القائمة الإيرانية، كما نُقلت، لا تكتفي بالمطالبة بوقف التهديدات أو رفع العقوبات، بل تصل إلى المطالبة بتعويضات قدرها 300 مليار دولار، والإفراج عن الأصول المجمدة، وسحب القوات الأمريكية، ورفع الحصار البحري، ومنع السفن الأمريكية والإسرائيلية من دخول المضيق، بل وفرض رسوم وغرامات على السفن المخالفة.

وهنا السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: هل أصبحت إيران هي التي تفرض شروط التفاوض على أمريكا؟

ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك.

لكن السياسة الدولية لا تُقاس بحجم الشروط التي تُكتب على الورق، وإنما بقدرة صاحبها على فرضها وتحويلها إلى واقع. وهذه هي النقطة الفاصلة في المشهد.

إيران تمتلك ورقة هرمز، ولا شك أن المضيق يمثل نقطة اختناق استراتيجية للاقتصاد العالمي. لكن امتلاك ورقة ضغط لا يعني امتلاك السيادة على النظام الدولي. فالمضيق ليس ملكاً إيرانياً، والملاحة الدولية فيه ليست امتيازاً تمنحه طهران متى شاءت وتسحبه متى شاءت.

الأخطر في الشروط الإيرانية أنها تتجاوز هرمز نفسه. فطهران لا تطلب ثمناً لإعادة فتح المضيق فقط، وإنما تضع على الطاولة ملفاً كاملاً لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن: العقوبات، القوات الأمريكية، الأصول المجمدة، الحرب الإقليمية، والتعويضات.

بمعنى آخر، إيران تحاول تحويل مضيق هرمز من ورقة ضغط إلى منصة لإعادة ترتيب ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وهنا تصبح المسألة أكبر من إيران وأمريكا.

فإذا قبل المجتمع الدولي أن تتحول الممرات البحرية الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي، فإن سابقة خطيرة تكون قد تأسست: كل دولة تملك موقعاً جغرافياً حساساً يمكنها مستقبلاً أن تربط حرية الملاحة بشروط سياسية واقتصادية وعسكرية.

لكن طهران، في المقابل، تعرف أن لعبة هرمز ليست بلا ثمن. فالمضيق الذي تضغط به على الآخرين هو نفسه ممر تعتمد عليه المنطقة، وإيران ليست جزيرة معزولة عن الاقتصاد العالمي. وكلما طال الإغلاق أو التقييد، ارتفعت كلفة المواجهة عليها أيضاً، وازداد الدافع لدى القوى الدولية والإقليمية للبحث عن بدائل وكسر هذه الورقة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد إيران؟

إيران أعلنت ما تريد.

السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع فرض ما تريد؟

هنا ستظهر قوة المعادلة الأمريكية والدولية.

فواشنطن تستطيع أن تفاوض على أمن الملاحة، لكنها إذا قبلت أن يكون فتح هرمز مشروطاً باستسلام سياسي شامل، فإنها لا تكون قد تفاوضت على مضيق، بل تكون قد قبلت بتغيير قواعد اللعبة الإقليمية.

أما إذا رفضت، فإن الأزمة ستدخل مرحلة أكثر صعوبة: إيران تتمسك بشروطها، وأمريكا وحلفاؤها يرفضون تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز، وبين الطرفين يبقى المضيق في قلب المواجهة.

لهذا تبدو الشروط الإيرانية، في جوهرها، اختباراً لإرادة الولايات المتحدة أكثر مما هي مجرد مطالب تفاوضية.

إنها محاولة لمعرفة أين تقف واشنطن: هل تقبل أن تكون طهران هي من يضع شروط فتح الممر الدولي، أم تعيد تثبيت قاعدة مختلفة تقول إن أمن الملاحة الدولية لا تحدده دولة واحدة ولا يُستخدم رهينة لتحقيق مكاسب سياسية؟

وفي كل الأحوال، هناك حقيقة واحدة ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج التصريحات:

من يملك ورقة ضغط لا يصبح تلقائياً صاحب القرار.

إيران تستطيع أن تقول: لن نفتح هرمز إلا بشروطنا.

لكن السؤال الذي سيحسم هذه الأزمة هو:

هل يستطيع العالم أن يقول لإيران: المضيق ليس ملكك حتى تغلقيه وتفتحيه وفق شروطك؟

وهنا تبدأ المنازلة الحقيقية.

فالمعركة لم تعد على مضيق هرمز وحده، بل على من سيضع قواعد الشرق الأوسط بعد هذه الأزمة. 

إيران…. أم العالم؟

التعليقات معطلة.