ما حجم تأثير القروض الخارجية والداخلية على الاقتصاد العراقي؟

2

جميل عبدالله

 

ليس السؤال الحقيقي: هل العراق مديون؟

بل السؤال الأهم هو: إلى أي حد أصبحت القروض الخارجية والداخلية تؤثر في قدرة الاقتصاد العراقي على النمو، وفي قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها دون أن تتحول المديونية إلى عبء على الأجيال القادمة؟

 

العراق يمتلك مورداً مالياً كبيراً يتمثل في النفط، لكنه في الوقت نفسه يعتمد بصورة شديدة على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة. وعندما تنخفض أسعار النفط أو تتراجع الصادرات، تظهر الحاجة إلى الاقتراض لتمويل العجز والإنفاق العام.

 

ومن هنا أصبح الدين العام، بشقيه الداخلي والخارجي، أحد الملفات الاقتصادية المهمة التي تحتاج إلى إدارة دقيقة.

 

أولاً: القروض ليست مشكلة بحد ذاتها

 

الاقتراض ليس بالضرورة مؤشراً على ضعف الاقتصاد.

 

الدول المتقدمة والنامية على حد سواء تلجأ إلى الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، أو لتغطية فجوة مؤقتة في الإيرادات.

 

المشكلة تبدأ عندما تستخدم القروض لتمويل النفقات الاستهلاكية المتكررة بدلاً من الاستثمار في مشاريع تستطيع مستقبلاً أن تولد إيرادات وفرص عمل ونشاطاً اقتصادياً.

 

وهنا تكمن حساسية الحالة العراقية.

 

فإذا اقترضت الدولة مليار دولار لبناء مشروع إنتاجي قادر على تحقيق إيرادات وتوفير فرص عمل وتقليل الاستيراد، فإن هذا الدين يمكن أن يتحول إلى استثمار.

 

أما إذا اقترضت المليار نفسه لدفع رواتب ونفقات جارية لا تنتج دخلاً مستقبلياً، فإن الدولة ستبقى مطالبة بسداد أصل القرض وفوائده من إيرادات مستقبلية.

 

ثانياً: الدين الداخلي وتأثيره على الاقتصاد

 

الدين الداخلي يعني بصورة مبسطة أن الحكومة تقترض من داخل الاقتصاد، سواء من المصارف أو المؤسسات المالية أو من خلال السندات وأدوات الدين الحكومية.

 

وهذا النوع من الدين قد يكون أقل خطورة من الدين الخارجي من ناحية العملة، خصوصاً عندما يكون مقوماً بالدينار العراقي، لكنه ليس بلا تكلفة.

 

فالحكومة عندما تقترض مبالغ كبيرة من المصارف المحلية، يمكن أن تنافس القطاع الخاص على مصادر التمويل.

 

بمعنى آخر، الأموال التي يمكن أن تذهب إلى تمويل شركة أو مصنع أو مشروع خاص قد تتجه بدلاً من ذلك إلى شراء السندات الحكومية.

 

وهذا قد يؤدي إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل، وبالتالي يؤثر في الاستثمار والإنتاج وفرص العمل.

 

كما أن ارتفاع خدمة الدين الداخلي يعني أن جزءاً من موارد الدولة يذهب إلى دفع الفوائد وتسديد أصل الدين بدلاً من توجيهه إلى الاستثمار والخدمات العامة.

 

وتظهر أهمية هذا الملف في أن وزارة المالية العراقية تنشر بصورة دورية بيانات الدين الداخلي والخارجي، كما نشرت بيانات الدين العام للربع الأول من عام 2026.

 

ثالثاً: ماذا عن القروض الخارجية؟

 

القروض الخارجية تحمل جانباً إضافياً من المخاطر، لأن جزءاً كبيراً منها يكون بالعملات الأجنبية.

 

وهذا يعني أن الدولة العراقية تحتاج في النهاية إلى توفير الدولار أو العملات الأجنبية لخدمة هذه الديون.

 

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الدين الخارجي والنفط.

 

فالعراق يحصل على معظم عملته الأجنبية من صادرات النفط، ولذلك فإن انخفاض أسعار النفط أو تراجع كميات التصدير يمكن أن يزيد الضغط على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

 

ولهذا فإن زيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي من دون زيادة مصادر الدخل غير النفطي قد تجعل الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات النفطية.

 

رابعاً: المشكلة الأكبر ليست حجم الدين فقط

 

من الخطأ النظر إلى الدين العراقي من خلال الرقم الإجمالي فقط.

 

الأهم هو معرفة:

 

كم تبلغ خدمة الدين سنوياً؟

ما نسبة الدين إلى الناتج المحلي؟

ما نسبة الدين إلى إيرادات الدولة؟

ما حجم الفوائد؟

متى تستحق الأقساط؟

وبأي عملة تم الاقتراض؟

 

هذه المؤشرات هي التي تحدد ما إذا كان الدين يشكل خطراً حقيقياً أم لا.

 

وتشير استراتيجية إدارة الدين متوسطة الأجل لوزارة المالية إلى أن أحد أهداف إدارة الدين هو تلبية الاحتياجات التمويلية للحكومة بأقل كلفة ممكنة، مع إبقاء مخاطر الدين ضمن حدود معقولة، والحفاظ على نسبة الدين إلى الناتج المحلي عند مستوى مناسب.

 

وهذا يعني أن الحكومة نفسها تتعامل مع إدارة الدين باعتبارها قضية مرتبطة بالاستقرار المالي والاقتصادي، وليست مجرد عملية اقتراض وسداد.

 

خامساً: أين تكمن الخطورة على الاقتصاد العراقي؟

 

تكمن الخطورة عندما يتحول الاقتراض من وسيلة مؤقتة لتمويل التنمية إلى مصدر دائم لتمويل العجز.

 

إذا كانت الدولة تقترض كل عام لتغطية النفقات الجارية، فإنها تدخل في حلقة متكررة:

 

عجز في الموازنة → اقتراض → زيادة الدين → زيادة الفوائد → ارتفاع النفقات → عجز جديد → اقتراض جديد.

 

وهذه الحلقة إذا استمرت لفترة طويلة يمكن أن تضيق المساحة المالية أمام الدولة، وتجعلها أكثر اعتماداً على أسعار النفط.

 

وهنا يصبح انخفاض سعر النفط ليس مجرد مشكلة في الإيرادات، وإنما مشكلة تمتد إلى قدرة الدولة على دفع رواتبها وتمويل مشاريعها وسداد ديونها.

 

سادساً: الدين الداخلي والخارجي وتأثيرهما على المواطن

 

قد يعتقد المواطن أن الدين العام قضية حكومية بعيدة عن حياته اليومية.

 

لكن الحقيقة أن تأثير الدين يمكن أن يصل إليه بصورة مباشرة وغير مباشرة.

 

فعندما ترتفع خدمة الدين، قد تضطر الحكومة إلى تقليل الإنفاق الاستثماري، أو تأجيل بعض المشاريع، أو زيادة الإيرادات الضريبية والرسوم، أو تقليل الإنفاق في بعض القطاعات.

 

كما أن استمرار الاقتراض الداخلي بكلفة مرتفعة قد يؤثر في قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل، وبالتالي في إنشاء المصانع والشركات وتوفير فرص العمل.

 

لذلك فإن إدارة الدين ليست قضية مالية فقط، بل هي قضية تمس النمو الاقتصادي ومستوى الخدمات وفرص العمل ومستقبل الأجيال القادمة.

 

سابعاً: هل العراق أمام خطر أزمة ديون؟

 

من غير الدقيق القول إن العراق يقف بالضرورة على أبواب أزمة ديون لمجرد وجود ديون داخلية وخارجية.

 

العراق يمتلك مورداً نفطياً مهماً، كما أن مستوى الدين يجب أن يقاس مقارنة بحجم الاقتصاد والإيرادات وقدرة الدولة على السداد، وليس بالرقم المجرد.

 

لكن في المقابل، الاعتماد الكبير على النفط يجعل إدارة الدين أكثر حساسية.

 

فالدولة التي تعتمد على مصدر واحد رئيسي للإيرادات تكون أكثر عرضة للمخاطر عندما تتغير أسعار ذلك المصدر.

 

ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس الاقتراض بحد ذاته، وإنما الاقتراض مع استمرار ضعف الإيرادات غير النفطية وضعف الإنتاج المحلي.

 

ثامناً: الحل ليس إيقاف القروض وإنما تغيير استخدامها

 

العراق لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق باب الاقتراض.

 

بل يحتاج إلى وضع شروط واضحة لأي قرض جديد:

 

أن يذهب إلى مشروع منتج.

 

أن تكون كلفة القرض وفائدته مناسبة.

 

أن تكون فترة السداد متوافقة مع العائد المتوقع من المشروع.

 

أن تكون هناك دراسة جدوى حقيقية.

 

وأن يكون المشروع قادراً على زيادة الإنتاج أو تقليل الاستيراد أو خلق فرص عمل أو توفير إيرادات مستقبلية.

 

أما القروض التي تستخدم فقط لسد نفقات استهلاكية متكررة، فإنها تؤجل المشكلة ولا تحلها.

 

الخلاصة

 

يمكن القول إن القروض الخارجية والداخلية أصبحت جزءاً مهماً من إدارة المالية العامة العراقية، لكن حجم تأثيرها الحقيقي يعتمد على طريقة استخدامها وقدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات.

 

العراق لا يعاني من مشكلة موارد، بقدر ما يعاني من مشكلة في تنويع مصادر الدخل واستثمار موارده بكفاءة.

 

فإذا استُخدم الدين لتمويل الإنتاج والبنية التحتية وتنويع الاقتصاد، يمكن أن يكون أداة للنمو.

 

أما إذا استُخدم بصورة مستمرة لتمويل العجز والنفقات الجارية، فإنه يتحول تدريجياً من أداة مالية إلى عبء اقتصادي.

 

ولهذا فإن المعركة الحقيقية أمام العراق ليست مع القروض وحدها، وإنما مع اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على النفط، وقطاع خاص ضعيف، وإيرادات غير نفطية محدودة، وإنفاق عام كبير.

 

والحل يبدأ من بناء اقتصاد يستطيع أن يسدد ديونه من إنتاجه وإيراداته المتنوعة، لا من الاستمرار في الاقتراض كلما ظهرت فجوة في الموازنة.

 

فالدين الذي يبني اقتصاداً أقوى يمكن أن يكون استثماراً، أما الدين الذي يمول الاستهلاك فقط فهو فاتورة مؤجلة يدفعها المستقبل.

التعليقات معطلة.