هل وارد النفط العراقي لا يكفي لمعيشة المجتمع العراقي؟

2

 

رشا العزاوي

في العراق، عندما نتحدث عن النفط، فإننا لا نتحدث عن مورد اقتصادي عادي، بل عن المصدر الأساسي الذي تقوم عليه مالية الدولة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل العراق يملك نفطاً يكفي؟ بل: هل الطريقة التي تُدار بها عائدات النفط تكفي لبناء حياة اقتصادية مستقرة وكريمة للمجتمع العراقي؟

 

الأرقام تقول إن العراق بلد نفطي بامتياز. فصادرات النفط الخام تمثل الجزء الأكبر من صادراته، كما أن النفط شكّل في عام 2025 نحو 88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع بحسب البنك الدولي.

 

وهنا تبدأ المشكلة.

 

العراق لا يعاني من قلة النفط بقدر ما يعاني من الاعتماد المفرط على النفط.

 

فوفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بلغت إيرادات النفط العراقية نحو 114.8 تريليون دينار في عام 2025، مقابل إيرادات غير نفطية لا تتجاوز نحو 12.4 تريليون دينار. وفي الوقت نفسه بلغت النفقات الحكومية نحو 153 تريليون دينار.

 

أي أن الدولة تنفق أكثر مما تجمع، بينما يأتي الجزء الأكبر من مواردها من سلعة واحدة تتغير أسعارها في الأسواق العالمية.

 

وهنا السؤال الأخطر:

 

ماذا يحدث عندما ينخفض سعر النفط؟

 

عندما ينخفض سعر البرميل، لا ينخفض رقم في الموازنة فقط، بل تتأثر قدرة الدولة على تمويل الرواتب والتقاعد والمشاريع والخدمات والاستثمار. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة العراقية ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، مقارنة بنحو 54 دولاراً في عام 2020.

 

وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود النفط، وإنما في أن حجم الالتزامات التي بنتها الدولة أصبح كبيراً إلى درجة تجعلها شديدة الحساسية لأي هبوط في أسعار النفط.

 

النفط ثروة وطنية أم راتب شهري؟

 

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.

 

الثروة النفطية يفترض أن تتحول إلى بنية تحتية، ومصانع، وزراعة، وتعليم، وصحة، وطاقة، وموانئ، وطرق، وفرص عمل، واستثمارات منتجة.

 

أما إذا تحولت معظم الإيرادات النفطية إلى نفقات جارية ورواتب وتقاعد ودعم واستهلاك، فإن النفط يصبح أشبه بـ”راتب شهري ضخم” للدولة، وليس رأس مال يبني اقتصاداً للمستقبل.

 

وهنا تكمن المفارقة العراقية:

 

العراق ينتج ويصدر النفط، لكنه يستورد الكثير من احتياجاته.

 

يمتلك الأراضي الزراعية، لكنه يستورد الغذاء.

 

يمتلك الثروة المائية والطاقة الشمسية، لكنه يعاني من أزمة كهرباء.

 

ويمتلك ملايين الأيدي العاملة، لكنه يعاني من البطالة وضعف القطاع الخاص.

 

ويمتلك موارد مالية ضخمة في سنوات ارتفاع النفط، لكنه يعود إلى البحث عن حلول مالية عندما تنخفض الأسعار.

 

هذه ليست مشكلة نفط فقط؛ إنها مشكلة إدارة اقتصاد كامل.

 

هل النفط العراقي غير كافٍ؟

 

إذا كان المقصود بالسؤال: هل كمية النفط الموجودة في العراق لا تكفي لتمويل احتياجات الدولة؟

 

فالجواب ليس بهذه البساطة.

 

العراق لديه احتياطي وإنتاج نفطي كبيران، وصادرات النفط وحدها حققت في 2025 نحو 84.2 مليار دولار وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

 

لكن إذا كان السؤال: هل يمكن الاعتماد على النفط وحده لعقود قادمة لتمويل كل احتياجات المجتمع العراقي؟

 

فهنا الجواب أكثر وضوحاً:

لا.

ليس لأن النفط سينتهي غداً، وإنما لأن المجتمع العراقي يتوسع، وعدد السكان يزداد، والإنفاق الحكومي يرتفع، بينما الاقتصاد غير النفطي لا ينمو بالسرعة الكافية.

 

ويقدر البنك الدولي عدد سكان العراق بنحو 47 مليون نسمة في 2025، مع نمو سكاني سنوي يقارب 2.1%.

 

كل عام يدخل مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل، وهذا يعني أن الدولة تحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف جديدة باستمرار.

 

ولا يمكن للقطاع الحكومي وحده أن يقوم بهذه المهمة.

 

المشكلة ليست في النفط… بل في ما بعد النفط

 

العراق يحتاج إلى تغيير السؤال من:

 

كم برميل نفط نصدر؟

 

إلى:ماذا نفعل بعائدات كل برميل؟

 

إذا استخدمنا عائدات النفط لبناء مصانع، وتطوير الزراعة، وتحسين التعليم، وتحديث المصارف، وتوسيع القطاع الخاص، وتطوير السياحة، والصناعات البتروكيميائية، والطاقة المتجددة، والنقل والموانئ، فإن النفط يمكن أن يكون نقطة انطلاق لاقتصاد قوي.

 

أما إذا استمرت العائدات النفطية في تمويل الجزء الأكبر من الإنفاق الجاري، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها:

 

ارتفاع النفط → زيادة الإنفاق → توسع الالتزامات → انخفاض النفط → عجز مالي → البحث عن التمويل → انتظار ارتفاع النفط من جديد.

 

وهذه ليست استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد.

 

العراق لا يحتاج إلى نفط أكثر بقدر ما يحتاج إلى اقتصاد أقوى

 

العراق أمام فرصة تاريخية.

 

الثروة النفطية يمكن أن تكون وسيلة للخروج من الاقتصاد الريعي، وليس سبباً للاستمرار فيه.

 

المطلوب ليس إيقاف الاعتماد على النفط بشكل مفاجئ، فهذا غير واقعي، وإنما استخدام النفط كجسر نحو اقتصاد متنوع.

 

فالنفط يجب أن يمول الإنتاج، لا الاستهلاك فقط.

 

ويجب أن تتحول الدولة تدريجياً من أكبر مشغّل للناس إلى دولة تضع القوانين وتوفر البيئة التي يستطيع فيها القطاع الخاص أن ينتج ويوظف ويستثمر.

 

وقد شدد صندوق النقد الدولي على أن اعتماد العراق على النفط أصبح مصدراً متزايداً للمخاطر المالية، ودعا إلى ضبط الإنفاق وتنمية الإيرادات غير النفطية وتنويع الاقتصاد.

 

الخلاصة

 

العراق ليس بلداً فقيراً بالموارد.

 

العراق بلد غني بالموارد، لكنه يعاني من اقتصاد شديد الاعتماد على مورد واحد.

 

والفرق كبير بين الاثنين.

 

النفط العراقي يستطيع أن يمول حياة كريمة للعراقيين إذا أُدير كـثروة وطنية واستثمار للمستقبل، وليس كمصدر دائم لتمويل الإنفاق الجاري.

 

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس:

 

هل النفط العراقي يكفي لمعيشة العراقيين؟

 

بل:هل الإدارة الاقتصادية الحالية لعائدات النفط تكفي لبناء مستقبل العراقيين؟

 

وهنا تكمن القضية الحقيقية.

 

فثروة العراق ليست فقط في ما يستخرجه من باطن الأرض، وإنما في قدرته على تحويل هذه الثروة إلى اقتصاد منتج، وفرص عمل، وخدمات حقيقية، ودولة قوية، ومستقبل لا يعتمد مصيره على سعر برميل النفط في الأسواق العالمية.

التعليقات معطلة.