التسمم بالرصاص خطر صامت يهدد صحة الأطفال.. كيف تكتشفه قبل فوات الأوان؟

4



فريق راديو صوت العرب من أمريكا

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

استضاف راديو “صوت العرب من أمريكا”، الدكتور باسل الخطيب، استشاري طب الأطفال، في حوارٍ معمق تناول قضية التسمم بالرصاص بوصفه “خطراً صامتاً” يهدد صحة الأطفال وقدراتهم الإدراكية، ناقش اللقاء أسباب تجدد الاهتمام بهذا الملف في ضوء التعديلات القانونية الأخيرة في ولاية ميشيغان التي جعلت فحص مستويات الرصاص في الدم إلزامياً عند عمر سنة وسنتين.

كما استعرض الضيف الجوانب التاريخية للمشكلة ومصادر التلوث البيئي، محذراً من غياب الأعراض الظاهرة حتى في حالات التسمم الشديدة، واختتم الحوار بتقديم إرشادات وقائية للأهالي حول كيفية حماية أطفالهم من مصادر الرصاص في المنازل القديمة وأهمية الالتزام بالفحوصات الدورية لضمان نموهم السليم.

الحل في الوقاية

* يعد التسمم بالرصاص أحد أخطر المشكلات الصحية التي قد تصيب الأطفال دون أن تظهر عليهم أعراض واضحة في البداية. ورغم أن الولايات المتحدة قطعت شوطاً كبيراً في الحد من مصادر الرصاص، فإن آلاف الأطفال لا يزال يكتشف لديهم ارتفاع في مستوياته كل عام، خاصة في المنازل القديمة والمناطق ذات البنية التحتية المتقادمة.

نستضيف اليوم الدكتور باسل الخطيب، استشاري طب الأطفال، للحديث عن آخر المستجدات وكيفية حماية الأهل لأطفالهم. أهلاً بك دكتور باسل، لماذا عاد الحديث عن الرصاص الآن؟ رغم أن الفحص يُجرى في ولاية ميشيغان منذ سنوات، إلا أننا نشهد اهتماماً إعلامياً متجدداً، فهل هناك تطورات أو توصيات جديدة؟

** أهلاً بكِ دكتورة ليلى. موضوع الرصاص مهم جداً، واختبار مستوياته ليس جديداً. الرصاص مادة تشكل خطراً بيئياً كبيراً، وارتفاع مستواه يؤدي لمشاكل صحية عديدة، لا سيما لدى الأطفال والحوامل؛ إذ يسبب التعرض المبكر لمستويات عالية منه اضطرابات في التعلم، والإدراك، والسلوك، والسمع، والنمو.

لذا فإن المفتاح هو الوقاية وتجنب التعرض. أما عن سبب تجدد الحديث، فقد طرأت تعديلات قانونية في ولاية ميشيغان تقضي بإلزامية إجراء فحص مستوى الرصاص في الدم عند عمر سنة وعمر سنتين، وهو ما يعرف بقانون “الفحص العام للرصاص في الدم” (Universal Blood Lead Testing)، وهذا التعديل القانوني هو ما جدد الاهتمام بالموضوع.

تاريخ ومصادر

* هل لدينا معلومات عن تاريخ المشكلة وأبرز مصادر الرصاص؟ وماذا تعلمنا من أزمة مدينة “فلينت” في ميشيغان؟

** لموضوع الرصاص في أمريكا تاريخ طويل، وبرز بشكل أساسي بعد الحرب العالمية الثانية. كانت الولايات المتحدة تسجل حالات كثيرة من التسمم بالرصاص وصلت إلى درجات حادة مثل اعتلال الدماغ.

وبالبحث عن المصادر، تبين وجود مصدرين أساسيين: وقود السيارات وطلاء المنازل. في عام 1978، صدر قانون “الهواء النقي” الفيدرالي، وبموجبه حُذف الرصاص من الوقود -ولهذا نرى عبارة “خالٍ من الرصاص” في محطات الوقود- كما حُظر استخدامه في طلاء المنازل.

حالياً، المصادر الكبرى تحت السيطرة، لكن توجد مصادر أخرى مثل بعض مساحيق التجميل المستوردة، والأواني الخزفية التي تحتوي على طلاء بورسليني، والأنابيب القديمة في المنازل أو المدن.

أما أزمة “فلينت” عام 2014، فنجمت عن تغيير مصدر المياه دون إضافة مواد تمنع تآكل الأنابيب، مما أدى لتسرب الرصاص للمياه. كانت تلك الأزمة بمثابة تذكير بضرورة إبقاء هذا الملف قيد الانتباه، وكانت أحد أسباب تعديل القانون الأخير

إصابة الأطفال

* من هم الأطفال الأكثر عرضة للإصابة؟

** الأطفال الأكثر عرضة هم القاطنون في منازل بنيت قبل عام 1978، حيث لا يزال الطلاء أو الأنابيب الرصاصية موجودة. كما أن هناك مناطق مصنفة كعالية الخطورة في ميشيغان (82 منطقة) نتيجة قدم أحيائها أو وجودها في مناطق نائية.

* هل يلعب عمر الطفل دوراً في شدة التأثير؟ وما هي الأعراض التي يجب على الأهل مراقبتها؟

** نعم، فكلما قل عمر الطفل، زاد تأثير الرصاص على تطوره وارتفعت شدة الأعراض. أما بالنسبة للأعراض، فهذا هو الجانب الأخطر، إذ يُعد التسمم بالرصاص “تسمماً صامتاً”. المستوى المرجعي الحالي هو 3.5 ميكروغرام/ديسيلتر؛ فإذا كان الرقم أقل من ذلك نعتبره طبيعياً، وما فوقه يتطلب المتابعة.

المكمن الخطير هو أن الأعراض الظاهرة (مثل آلام البطن، الإمساك، نقص الشهية، أو التهيج) لا تبدأ بالظهور إلا عندما يصل المستوى إلى حوالي 40 ميكروغرام/ديسيلتر، بينما تبدأ الأعراض العصبية الحادة عند مستويات أعلى (70-100). لذلك، تكمن أهمية القانون في البحث والوقاية قبل ظهور هذه الأعراض المتأخرة.

مخاطر وأضرار

* كيف يؤثر الرصاص على السلوك والدماغ والتعلم؟

** التأثير مباشر ومثبت علمياً. أظهرت الدراسات أنه كلما ارتفع مستوى الرصاص، انخفض حاصل الذكاء (IQ)؛ فمقابل كل ارتفاع معين في مستوى الرصاص، قد ينخفض حاصل الذكاء بمقدار 5 نقاط.

قديماً كان متوسط مستويات الرصاص لدى أطفال أمريكا مرتفعاً جداً، أما الآن فقد انخفض بشكل كبير بفضل القوانين ليصل إلى متوسط 1.3. يجب على الأهل أخذ الموضوع بجدية دون ذعر إذا تلقوا اتصالاً من دائرة الصحة عند وجود ارتفاع بسيط، فالهدف هو المتابعة والحماية.

فحوصات وعلاجات

* كيف يتم فحص الرصاص؟ وهل هو روتيني لجميع الأطفال؟

** الفحص شامل وروتيني لجميع الأطفال في عمر سنة وسنتين في ولاية ميشيغان، بغض النظر عن عوامل الخطورة. هناك نوعان من الاختبار: الفحص الشعيري (من الإصبع) وهو سريع لكنه أقل دقة، فإذا كانت نتيجته مرتفعة، ننتقل للفحص الوريدي وهو الأدق والمعتمد لوضع الخطة العلاجية.

* هل تحتاج جميع حالات الارتفاع إلى علاج دوائي؟ وماذا يحدث إذا تُرك دون علاج؟

** إذا كان المستوى أقل من 3.5 ميكروغرام، لا نتدخل. التسمم يُعرف طبياً عند وصول الرقم إلى 10. أما العلاج الدوائي فلا يبدأ عادة إلا إذا وصل الرقم إلى 45 ميكروغرام/ديسيلتر، وقد يقرر الطبيب البدء قبل ذلك حسب حالة الطفل. المستويات المتوسطة (مثل 7 أو 😎 تتطلب إعادة الفحص والمتابعة الدقيقة مع الطبيب ودائرة الصحة. هناك أدوية تسمى “الأدوية اللاقطة” (مثل دواء ديمسا) تُعطى عن طريق الفم لتقليل الرصاص في الدم، وفي الحالات الشديدة جداً نلجا للعلاجات الوريدية.

حماية ونصائح هامة

* هل هناك طرق لحماية الأطفال؟ وهل للأطعمة دور في تقليل الامتصاص؟

** الأساس هو تجنب السكن في البيوت المبنية قبل عام 1978، أو التأكد من إزالة الطلاء القديم واستبدال الأنابيب. بالنسبة للأطعمة، فإن نقص الحديد يزيد من تأثر الطفل بالرصاص، لذا فإن إعطاء الحديد والكالسيوم يساعد في تخفيف التأثيرات الجانبية (مثل فقر الدم) لكنه لا يخفض مستوى الرصاص مباشرة. أما سلامة مياه الشرب، فهي مسؤولية السلطات المحلية والحكومية كما حدث في أزمة فلينت، وعلى الأهل اختيار السكن في مناطق بعيدة عن التلوث الصناعي.

* ما هي أهم نصيحة توجهها للأهالي؟

** أهم نقطة هي عدم انتظار ظهور أعراض، فالتسمم بالرصاص صامت ولا تظهر أعراضه إلا في مراحل متقدمة جداً. نصائحي الثلاث هي: الالتزام بتوصيات الطبيب وإجراء الفحص في عمر سنة وسنتين، والتعاون مع دائرة الصحة عند التواصل معكم لأنه إجراء لمصلحة طفلكم والصحة العامة، وأخيراً تذكروا دائماً أن غياب الأعراض لا يعني عدم وجود تسمم

* شكراً لك دكتور باسل الخطيب على هذه المعلومات القيمة. الكشف المبكر والوقاية هما السبيل لحماية أطفالنا

التعليقات معطلة.