الحرب القصيرة… والتداعيات الطويلة

3

دانة العنزي

لم تكن الحرب الحالية مجرد مواجهة عسكرية عابرة في منطقة مضطربة بطبيعتها، بل جاءت لتكشف حجم الترابط بين الأمن والسياسة والاقتصاد في الشرق الأوسط والعالم. فمع كل تصعيد عسكري في الخليج، تعود المخاوف القديمة المتعلقة بأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية وسلامة الممرات البحرية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي لا يزال يمثل أحد أهم الشرايين الإستراتيجية للاقتصاد الدولي. ولذلك فإن أي توتر أمني في هذه المنطقة لا يبقى محصوراً داخل حدودها الجغرافية بل يمتد تأثيره مباشرة إلى الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وحركة التجارة الدولية.

لقد أظهرت الحرب أن الاقتصاد الإقليمي في الخليج بات أكثر حساسية تجاه التحولات الجيوسياسية، فرغم النجاحات التي حققتها دول الخليج في تنويع اقتصاداتها خلال السنوات الأخيرة فإن النفط والغاز ما زالا يشكّلان العمود الفقري للاقتصاد الخليجي، وهو ما يجعل استقرار طرق التصدير مسألة أمن قومي وإستراتيجي في آن واحد. ومع كل تهديد لمضيق هرمز ترتفع المخاوف من تعطل تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي ينعكس فوراً على أسعار النفط والتأمين البحري وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد الدولية.

ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية لأنه يمثل الممر البحري الرئيسي لصادرات النفط الخليجية نحو آسيا وأوروبا والأسواق العالمية، فجزء كبير من صادرات الطاقة العالمية يمر عبر هذا المضيق الضيق جغرافياً لكنه واسع التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولهذا السبب فإن أي تهديد باستمرار إغلاقه من جهة ومحاصرته من جهة أخرى أو استهداف الملاحة فيه يرفع منسوب القلق الدولي ويدفع الأسواق العالمية إلى حالة من التوتر وعدم اليقين حتى وإن لم يحدث تعطيل فعلي لحركة الملاحة.

وقد كشفت الحرب الحالية عن حقيقة مهمة وهي أن أمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فقط بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي، فالدول الصناعية الكبرى والقوى الاقتصادية الصاعدة تعتمد بشكل مباشر على استقرار إمدادات الطاقة الآتية من المنطقة. ولهذا، فإن أي تصعيد عسكري في الخليج ينعكس على معدلات التضخم العالمية وأسعار الوقود وأسواق المال، والاستثمارات الدولية، بل وحتى على الأمن الغذائي في بعض الدول المرتبطة بسلاسل التجارة البحرية.

وفي ضوء هذه التحديات تسارعت الجهود الخليجية والإقليمية للبحث عن بدائل إستراتيجية تقلل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، وقد برزت مشاريع حيوية عدة، تهدف إلى تنويع مسارات نقل النفط والتجارة، من بينها خطوط الأنابيب التي تربط الحقول النفطية بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، إضافة إلى تطوير موانئ إستراتيجية على البحر الأحمر وبحر العرب، وتمثل هذه المشاريع جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

ومن أبرز هذه البدائل، التوسع في خطوط الأنابيب الممتدة نحو البحر الأحمر، والتي تسمح بتصدير النفط دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز، إلى جانب تطوير موانئ ومناطق لوجستية جديدة في السعودية والإمارات وسلطنة عمان. كما أن مشاريع الربط السككي والممرات الاقتصادية الجديدة، بما فيها الممرات الممتدة بين الخليج وآسيا وأوروبا، تعكس توجهاً إستراتيجياً نحو بناء شبكات نقل وتجارية أكثر تنوعاً وأقل عرضة للأزمات الأمنية.

كذلك، برزت أهمية الموانئ المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي كخيار إستراتيجي مستقبلي، خصوصاً في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية، فهذه الموانئ قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى نقاط ارتكاز رئيسية في التجارة والطاقة، بما يساهم في تخفيف الضغط الإستراتيجي عن مضيق هرمز ويمنح دول الخليج مساحة أكبر من المرونة الاقتصادية والسياسية في إدارة الأزمات.

وعلى المستوى العالمي دفعت الحرب الحالية العديد من الدول إلى إعادة التفكير في أمن الطاقة وسلاسل التوريد، فالعالم الذي عانى خلال السنوات الماضية من أزمات متلاحقة، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب الإقليمية الحالية أصبح أكثر إدراكاً لخطورة الاعتماد على ممرات إستراتيجية محدودة ولهذا، تتجه القوى الكبرى اليوم نحو تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الإستراتيجي والاستثمار في الممرات البديلة والتقنيات الحديثة لضمان استقرار الاقتصاد العالمي.

وفي النهاية أكدت الحرب الحالية أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح قضية اقتصادية عالمية ترتبط بمستقبل الاستقرار الدولي. كما أثبتت أن دول الخليج تدرك حجم التحديات المقبلة، وتسعى بالفعل إلى بناء منظومة اقتصادية ولوجستية أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات، فالحروب قد تكون قصيرة في زمنها العسكري لكنها طويلة في آثارها الاقتصادية والإستراتيجية خصوصاً عندما ترتبط بمنطقة تمثل القلب النابض للطاقة والتجارة العالمية.

التعليقات معطلة.