سافر إلى ذاتك

3

د. نادية الخالدي


د. نادية الخالدي

لماذا يختفي البعض فجأة؟

ليس كل وداع يُقال بصوت، فبعض الناس يرحلون وهم مازالوا داخل قائمة المحادثات داخل الصور داخل الروتين داخل الأماكن التي اعتدنا أن نشعر فيها بالأمان، وفجأة يختفون.

لا رسالة أخيرة، لا تفسير، لا اعتذار، لا حتى جملة تُغلق الباب بطريقة إنسانية.

وكأن العلاقة كانت شيئاً عابراً عند طرف، وموطناً كاملاً عند الطرف الآخر.

 

الاختفاء المفاجئ ليس دائماً قسوة بقدر ما هو انعكاس لبنية نفسية غير قادرة على المواجهة، هناك أشخاص ينسحبون لأنهم لا يعرفون كيف يشرحون تعبهم، وهناك مَنْ يختفي لأنه يشعر بالاختناق من القرب، وهناك مَنْ يخاف من تحمّل مسؤولية المشاعر فيختار الهروب بدل الحوار.

وفي علم النفس يُعتبر «الاختفاء العاطفي المفاجئ» أحد أساليب الهروب الدفاعية عند الشخصيات التي تُعاني من القلق العاطفي أو الخوف من التعلّق، فكلما اقتربت العلاقة من العمق بدأ الخوف بالظهور خوف من الالتزام خوف من الانكشاف خوف من أن يُرى الإنسان على حقيقته، فيتحوّل الاختفاء إلى محاولة نجاة، حتى لو ترك خلفه شخصاً يغرق بالأسئلة. والأصعب من الاختفاء نفسه، هو ما يتركه داخلنا بعده.

الإنسان لا يتألم فقط لأنه خسر شخصاً، بل لأنه خسر تفسيراً.

العقل البشري لا يحتمل النهايات المعلّقة، لذلك يبدأ بتحليل كل شيء.

هل أخطأت؟

هل كنت قليلاً؟

هل تغير شكلي؟

هل ملّ مني؟

هل وجد شخصاً أفضل؟

وتبدأ حرب داخلية قاسية بين الكرامة والاشتياق، بين الغضب والحنين، بين الرغبة بالنسيان والرغبة بمعرفة السبب. لكن الحقيقة التي لا يريد الكثير سماعها أن اختفاء الناس يقول عنهم أكثر مما يقول عنك.

الشخص الناضج نفسياً لا يختفي، حتى لو قرّر الرحيل. يواجه، يتحدث، يشرح، يُنهي العلاقة بوضوح. أما الاختفاء الكامل فهو غالباً دليل عجز داخلي عن إدارة المشاعر والمواقف المؤلمة.

بعض المختصين النفسانيين ربطوا هذا السلوك بأنماط التعلق التجنّبي، وهي شخصيات قد تبدو محبة وقريبة في البداية لكنها تنسحب فور شعورها بأن العلاقة أصبحت حقيقية أكثر من اللازم لأن العمق العاطفي بالنسبة لهم ليس راحة بل تهديد.

وقد يكون الاختفاء أحياناً نتيجة ضغوط نفسية أو اكتئاب أو انهيار داخلي لا يملك الشخص معه القدرة على التواصل، لكن حتى في هذه الحالات يبقى الأثر النفسي على الطرف الآخر مؤلماً ومربكاً.

أما السؤال الأهم، كيف نتجاوز هذا النوع من الفقد؟

أول خطوة، أن تتوقف عن مطاردة التفسير، لأن بعض الناس لن يمنحوك الإجابة التي تستحقها ولأن الركض خلف مَنْ اختفى يجعلك تختفي أنت عن نفسك.

ثاني خطوة، لا تجعل غياب أحد يحوّلك إلى مشروع شك دائم فليس كل رحيل لأنك غير كافٍ أحياناً الناس يرحلون لأنهم هم غير قادرين على البقاء.

ثالث خطوة، اسمح لنفسك بالحزن دون إذلال الذات، لا تتحول إلى شخص يراقب آخر ظهور أو يُعيد قراءة المحادثات كأنها أدلة جنائية الحب لا يُستعاد بالتحليل المفرط ولا الكرامة تُشفى بالملاحقة.

ورابع خطوة، افهم أن بعض العلاقات جاءت لتكشف لك احتياجاً داخلياً لديك لا لتبقى للأبد، فأحياناً الشخص الذي اختفى أيقظ بداخلك خوف الهجر القديم أو شعور عدم الأمان أو حاجتك لأن يختارك أحد باستمرار.

ومن هنا تبدأ رحلة التشافي الحقيقية، ليس من الشخص،

بل من الجزء داخلك الذي كان يعتقد أن قيمته مرتبطة ببقاء الآخرين.

النضج النفسي لا يعني ألّا تتألم، بل أن تتألم دون أن تفقد نفسك، أن تحزن دون أن تتحوّل إلى شخص يترجى الحب، أن تتقبّل الرحيل دون أن تعاقب روحك.

لأن الذين يختفون فجأة، قد يأخذون معهم حضورهم، لكنهم لا يجب أن يأخذوا سلامك أيضاً.

بعض الغياب يعلّمنا أن نعود لأنفسنا، بعد سنوات من العيش في الآخرين.

التعليقات معطلة.