العراق… حين تتحول الجنازات إلى استفتاء على النفوذ

4

 

 

 هل تشييعُ رمز… أم محاولةٌ لإعادة تثبيت النفوذ؟

 

في زمن الصراعات الكبرى، لا تُشيَّع الشخصيات وحدها، بل تُختبر معها موازين النفوذ، وتغدو الجنازات رسائل سياسية يقرؤها العالم بعين الاستراتيجية، لا بعين العاطفة.

هناك فرق بين أن تنظر إلى المشهد بعين المتابع، وأن تقرأه بعين الموطن وبعين الدولة . فالمشهد الذي يمر أمام الكاميرات قد يبدو للوهلة الأولى مراسم تشييع، لكن السياسة كثيرا ما تستخدم الرموز والمشاهد لإرسال رسائل تتجاوز الحدث نفسه. وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ ، لا تعود الحشود مجرد أرقام، ولا يصبح المكان مجرد جغرافيا، بل يتحول إلى رسالة سياسية مكتملة الأركان.

ومن هنا، لا يبدأ السؤال عن الجنازة، بل عن العراق.

لماذا يمر هذا المشهد عبر العراق؟ ولماذا يُراد له أن يظهر بهذا الحجم من الضعف ؟ ولماذا يأتي في لحظة يتصاعد فيها الحديث الإقليمي والدولي عن مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وعن إعادة رسم توازنات العراق؟

هذه الأسئلة ليست مزاجا سياسيا، بل هي المدخل الطبيعي لفهم الرسائل التي يحملها المشهد.

يمكن قراءة ما يجرى بوصفه محاولة لتأكيد أن العلاقة بين إيران والعراق، في نظر طهران، تتجاوز حدود التحالفات السياسية، وتمتد إلى فضاءات اجتماعية ودينية وشعبية، بما يجعل النفوذ يبدو أعمق من أن يُختزل في نتائج انتخابات أو تغير حكومات. وسواء اتفق المراقب مع هذه القراءة أم اختلف معها، فإن مجرد السعي إلى ترسيخ هذه الصورة يكشف أن الصراع لم يعد يدور على الأرض وحدها، بل على الرواية التي يريد كل طرف أن يصدقها العالم.

ففي السياسة الحديثة، لم تعد القوة تُقاس بما تمتلكه الدول من سلاح فحسب، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من صور ورموز ومشاهد، وبما تنجح في ترسيخه من انطباعات لدى الخصوم والحلفاء معا.

لكن وسط هذا كله، يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين أكثر من غيره: أين العراق من كل هذه الرسائل؟

لقد اعتاد العراقيون، عبر عقود، أن يروا وطنهم ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. مرة تُدار الحروب على أرضه، ومرة تُعقد التسويات على حسابه، ومرة تُبعث الرسائل الإقليمية والدولية من خلاله. حتى بدا وكأن العراق، بكل تاريخه وثقله، يتحدث بلغات الآخرين أكثر مما يتحدث بصوته الوطني.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

فليست المشكلة أن الدول تسعى إلى تثبيت نفوذها؛ فهذا من طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما يغيب صوت الدولة العراقية، فيصبح الوطن منصة لرسائل الآخرين، بدل أن يكون هو صاحب الرسالة الابرز.

وهذا هو الصوت الذي يفتقده المشهد العراقي اليوم.

فالعراق لا يحتاج إلى أن يكون شاهدا على صراع المحاور، ولا وسيطا لرسائلها، ولا ساحة لإثبات حضور هذا الطرف أو ذاك. ما يحتاجه هو أن يستعيد حقه الطبيعي في أن يكون صاحب موقف وطني مستقل، يُعبّر عن مصالحه هو، لا عن حسابات الآخرين.

إن شريحة واسعة من العراقيين لم تعد تبحث عن انتصار محور على محور، ولا ترى خلاص العراق في غلبة نفوذ على نفوذ، بل تتطلع إلى دولة تمتلك قرارها الوطني، وتحمي سيادتها، وتُعيد للمواطنة مكانتها بوصفها الأساس الذي يجتمع عليه العراقيون جميعا.

فالعراقي لا يبحث عن سلطة تنتصر… بل عن دولة تستقر.

ولا يبحث عن محور يغلب محورا آخر… بل عن وطن لا يكون محورا لأحد.

الدولة ليست مؤسسة إدارية فحسب، بل هي الوعاء الذي يولد فيه الموقف الوطني. فإذا غابت الدولة، لم يبقَ سوى مواقف متفرقة، تتنازعها الولاءات والمصالح والمحاور. ولهذا، فإن أخطر ما يصيب الأوطان ليس اختلاف المواقف، بل غياب الدولة التي تمنح تلك المواقف معناها واتجاهها.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى بعد انفضاض المشهد ليس: كم كان عدد المشاركين؟ ولا: من ربح صورة اليوم؟

بل السؤال الأهم:

لماذا أصبح العراق، في كل منعطف إقليمي، هو المكان الذي تُوجه منه الرسائل إلى العالم، بدل أن يكون هو من يوجه رسالته إلى العالم؟

لن يستعيد العراق مكانته حين يتراجع نفوذ هذا الطرف أو ذاك، بل حين يصبح نفوذ الدولة العراقية هو النفوذ الأعلى فوق كل نفوذ، وحين يصبح القرار الوطني هو المرجعية التي تعلو على كل الحسابات، وحين يصبح صوت بغداد هو الرسالة التي ينتظرها الجميع.

فالدول لا تُبنى بالحشود، ولا تستقر بالشعارات، وإنما تُبنى حين يصبح ولاء المواطن لوطنه أعلى من كل ولاء، وحين تستعيد الدولة حقها الطبيعي في أن تتحدث باسم العراق، لا أن يتحدث الآخرون من فوق أرض العراق.

عندها فقط، لن تكون الجنازات استفتاءً على النفوذ، بل أحداثا تمر في دولة تعرف نفسها، ويعرف العالم موقعها، وتكتب رسالتها بيدها، لا بأيدي الآخرين.

التعليقات معطلة.