الفساد… سرطان الدولة والمجتمع

6

 

 

لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات مالية أو صفقات مشبوهة أو موظفين مرتشين. لقد تحول إلى مرض خبيث أصاب جسد الدولة كله، وانتقل منها إلى المجتمع، حتى أصبح يهدد فكرة الوطن نفسها. فالسرطان لا يقتل العضو الذي يصيبه فقط، بل يستهلك الجسد بأكمله، وكذلك فعل الفساد بالعراق.

بعد عام ٢٠٠٣ لم يكن الخلل في الأشخاص بقدر ما كان في طبيعة النظام السياسي الذي تأسس. فالطائفية السياسية لم تكن مجرد وسيلة لتوزيع السلطة، بل كانت الفكرة التي ولدت نظام المحاصصة. وحين أصبحت المناصب حصصا بين القوى السياسية، لم تعد الكفاءة معيارا، ولا المصلحة الوطنية هدفا، بل صار الولاء الحزبي والطائفي هو الطريق إلى الدولة.

ومن رحم المحاصصة خرج الفساد كنتاج طبيعي، لا كحادثة عابرة. فالوزارة أصبحت غنيمة، والهيئة أصبحت موردا، والعقد الحكومي تحول إلى وسيلة تمويل للأحزاب، فيما تراجع مفهوم الدولة لصالح مفهوم النفوذ. وهكذا ضعفت الهوية الوطنية أمام الهويات الفرعية، وتحول الانتماء للوطن إلى انتماء للمحور أو الحزب أو الجماعة.

ومع مرور السنوات لم يعد الفساد مجرد انحراف إداري، بل أصبح منظومة متكاملة تمتلك المال والإعلام والسلاح والنفوذ والعلاقات الخارجية. وكلما حاولت حكومة الاقتراب منها، اصطدمت بجدار المصالح السياسية، فتراجعت أو دخلت في تسويات أنهكت هيبة الدولة.

الأخطر من ذلك أن أغلب القوى السياسية باتت تدرك حجم الكارثة، لكنها لم تمتلك الإرادة أو القدرة على المواجهة. بعضها مستفيد من بقاء المنظومة، وبعضها يخشى سقوط التوازنات التي تحمي وجوده، وبعضها الآخر وجد نفسه أسيرا لنفوذين متداخلين؛ نفوذ داخلي تتحكم به شبكات المصالح، ونفوذ خارجي لا يرى في العراق القوي المستقل مصلحة له.

وهكذا وجد العراق نفسه داخل عنق زجاجة ضيق. فلا الإرادة الداخلية قادرة على كسر منظومة الفساد، ولا الإرادات الإقليمية والدولية تبدو متحمسة ولديها الرغبة لولادة دولة عراقية قوية تمتلك قرارها الوطني الكامل. فالدولة القوية تغيّر موازين النفوذ، بينما الدولة الضعيفة تبقى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح.

لكن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال العام، بل سرقة ثقة المواطن. فعندما يفقد المواطن إيمانه بالقانون، ويقتنع بأن النفوذ أقوى من القضاء، وأن الرشوة أسرع من الحق، فإن المجتمع نفسه يبدأ بإنتاج الفساد بوصفه وسيلة للعيش، لا استثناءً على القانون. وهنا ينتقل المرض من مؤسسات الدولة إلى ضمير المجتمع، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة.

لهذا فإن معركة العراق اليوم ليست معركة حكومة ضد فاسدين، ولا سلطة ضد معارضة، بل معركة وجود بين مشروع الدولة ومشروع المنظومة. فإما دولة تُبنى على المواطنة والقانون والكفاءة، وإما منظومة تستمر في استنزاف الوطن حتى يفقد قدرته على النهوض.

إن استئصال السرطان لا يكون بتسكين الألم، ولا بالمساومات مع المرض، وإنما بجراحة مؤلمة تنقذ الجسد. وكذلك الفساد؛ لا يُهزم بالشعارات، ولا بلجان التحقيق الموسمية، ولا بالتوازنات السياسية، بل بإرادة وطنية تضع الدولة فوق الطائفة، والقانون فوق النفوذ، والعراق فوق الجميع.

لأن الدول لا تموت حين تفتقر إلى الثروة، وإنما تموت حين يصبح الفساد هو النظام، ويصبح الدفاع عنه سياسة، والتعايش معه ثقافة. وعندها لا يعود السرطان مرضا في الدولة… بل تصبح الدولة نفسها أسيرةً له.

التعليقات معطلة.