العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة الثالثة عشرة
ثورة تشرين بوصفها لحظة كشف تاريخي وعتبة نحو وعي الدولة
مقدمة
قد يُطرح سؤال مشروع: لماذا كانت بداية المشروع الوطني من ثورة تشرين؟
والجواب أن ثورة تشرين لم تكن حدثاً احتجاجياً عابراً، بل كانت لحظة كاشفة أعادت فتح الأسئلة المؤجلة حول الدولة والسلطة والمجتمع في العراق.
لقد مثّلت هذه التجربة نقطة تقاطع بين تراكم تاريخي طويل من تعثر بناء الدولة، وبين لحظة انفجار اجتماعي عبّر عن نفسه خارج الأطر السياسية التقليدية.
إن أهمية تشرين لا تكمن فقط فيما قامت به، بل فيما كشفته: أزمة دولة ممتدة، وأزمة تمثيل سياسي، وأزمة مشروع وطني ظل غائباً عن المشهد العراقي لعقود طويلة.
أولاً: تشرين كحالة شعبية خارج الأدلجة
انطلقت ثورة تشرين بوصفها حركة شعبية واسعة وعفوية، قبل أن تتداخل معها لاحقاً محاولات التأثير السياسي والإعلامي من أطراف متعددة.
وقد تشكلت من طاقة اجتماعية عامة عبّرت عن رفض واسع:
لاحتكار السلطة.
لسوء إدارة الدولة.
لتراجع الخدمات والعدالة.
ولتآكل الثقة بالنظام السياسي بعد عام ٢٠٠٣.
إن جوهر تشرين لم يكن مشروعاً سياسياً جاهزاً، بقدر ما كان صرخة اجتماعية عميقة ضد مسار طويل من اختلال الدولة.
ثانياً: في مواجهة التشويه السياسي
تعرضت ثورة تشرين لمحاولات متعددة لتأويلها خارج سياقها الوطني، عبر اتهامات بالتمويل الخارجي أو الارتباط بأجندات سياسية مختلفة.
لكن هذه القراءات تصطدم بحقيقة أساسية، وهي أن أي حراك يُتهم بمثل هذه الاتهامات ثم يحظى بامتداد شعبي واسع وتضحيات كبيرة من الشهداء والجرحى في مدن متعددة، لا يمكن اختزاله في تفسير خارجي جاهز.
لقد كانت تلك الاتهامات في كثير من الأحيان انعكاساً لأزمة السلطة أكثر من كونها توصيفاً موضوعياً للحراك نفسه.
ثالثاً: البعد الوطني العابر للهويات
لم تكن تشرين حركة مناطقية أو فئوية، بل حملت بعداً وطنياً تجاوز الهويات الفرعية والانقسامات التقليدية.
وقد تباينت أنماط المشاركة فيها، لكن جوهرها ظل معبّراً عن شعور عام بأن أزمة الدولة تطال الجميع دون استثناء.
وفي الوقت ذاته، أسهمت محاولات التشويه والاستقطاب السياسي في إعادة إنتاج الانقسام الإعلامي حولها، رغم أن المزاج الشعبي العام ظل متوافقاً مع معظم مطالبها الأساسية المتعلقة بالدولة والعدالة والكرامة العامة.
رابعاً: بين الأخلاق السياسية وغياب المشروع
قدمت تشرين نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بالأخلاق السياسية للاحتجاج:
رفض الفساد.
رفض احتكار السلطة.
المطالبة بدولة المواطنة والعدالة.
الدفاع عن الكرامة العامة.
لكنها واجهت في الوقت نفسه إشكالية مركزية:
فقوة الغضب الأخلاقي وحدها لا تكفي لبناء مشروع دولة.
كما أن التجربة لم تكن خالية من الأخطاء؛ فقد أضعف غياب القيادة الموحدة وصعوبة إنتاج رؤية سياسية مشتركة قدرة الحراك على تحويل زخمه الشعبي إلى قوة سياسية مستدامة، وهو ما سمح لقوى مختلفة بمحاولة احتواء جزء من نتائجه أو توظيفها.
وقد كشفت التجربة فجوة عميقة بين:
وعي احتجاجي متقدم.
وغياب مشروع سياسي منظم قادر على تحويل هذا الوعي إلى دولة.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى المشروع الوطني بوصفه محاولة للإجابة عن السؤال الذي بقي مفتوحاً بعد تشرين:
كيف يتحول الغضب إلى دولة؟
خامساً: الجذور التاريخية لأزمة الدولة العراقية
إن اختلال بناء الدولة في العراق لا يعود إلى ما بعد عام ٢٠٠٣ فقط، بل هو امتداد لتعثر تاريخي طويل في بناء دولة مستقرة وقادرة على تحقيق التوازن بين السلطة والمجتمع بصورة مستدامة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١.
وقد أدى هذا التعثر إلى فراغ سياسي وفكري متكرر سمح بصعود الأيديولوجيات الكبرى:
الشيوعية.
القومية.
البعثية.
الإسلام السياسي.
ولم يكن ذلك دائماً نتيجة اقتناع مطلق بهذه المشاريع، بقدر ما كان انعكاساً لغياب مشروع وطني جامع قادر على ملء الفراغ التاريخي للدولة.
سادساً: تشرين كذروة كشف تاريخي
يمكن فهم ثورة تشرين بوصفها لحظة كشف مركبة:
كشفت أزمة ما بعد ٢٠٠٣.
وكشفت الامتداد التاريخي لأزمة الدولة.
وكشفت غياب المشروع الوطني البديل.
وفي هذا المعنى، لم تكن تشرين نهاية مسار، بل لحظة وضعت هذا المسار كله تحت الضوء.
لقد أسقطت عملياً ما يمكن تسميته بشرعية الصمت السياسي، وأعادت سؤال الدولة إلى مركز النقاش الوطني بعد سنوات طويلة من الانشغال بصراعات السلطة والهويات الفرعية.
سابعاً: انتصار الوعي وحدود السياسة
لقد اختلف العراقيون في تقييم نتائج تشرين السياسية، لكن ما يصعب إنكاره أنها أحدثت تحولاً عميقاً في الوعي العام.
فقد أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وكسرت كثيراً من المسلمات التي حكمت المجال السياسي لسنوات طويلة.
وقد لا تكون قد حققت جميع أهدافها السياسية المباشرة، لكنها انتصرت في ما هو أبعد من السياسة الآنية؛ إذ أعادت تشكيل الوعي الوطني، وكسرت حاجز الخوف، وأعادت سؤال الدولة إلى قلب النقاش العام.
فالسلطات تتبدل، أما التحولات العميقة في وعي الشعوب فتبقى.
ومن هنا جاءت خلود تشرين بوصفها انتصاراً للوعي الوطني، حتى قبل أن تكون إنجازاً سياسياً مكتمل النتائج.
ثامناً: من الوعي الاحتجاجي إلى مشروع الدولة
رغم عمق التجربة وأثرها التاريخي، فإن تشرين بقيت في إطارها الطبيعي كحركة احتجاج لا كمشروع دولة.
وهنا تظهر معادلة مركزية:
الاحتجاج يكشف الأزمة، لكن الدولة تحتاج مشروعاً.
لقد أثبتت تشرين أن المجتمع العراقي ما زال يمتلك القدرة على الرفض والاحتجاج والتضحية، لكنها كشفت أيضاً أن بناء الدولة يحتاج إلى رؤية سياسية ومؤسسية تتجاوز لحظة الغضب إلى مرحلة البناء.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى المشروع الوطني العراقي بوصفه الإطار القادر على نقل الطاقة الاحتجاجية من لحظة الرفض إلى مرحلة تأسيس الدولة.
خاتمة
لم تكن ثورة تشرين مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت لحظة انكشاف تاريخي أعادت فتح السؤال المؤسس:
لماذا لم تستقر الدولة العراقية؟
لكنها نقلت السؤال إلى مستوى أعمق وأكثر أهمية:
كيف يمكن تحويل هذا الوعي المتراكم إلى دولة؟
إن المشروع الوطني العراقي لا يتعامل مع تشرين بوصفها حدثاً يُروى، بل بوصفها عتبة وعي وطني جديد تربط بين رفض الفشل التاريخي وإمكانية بناء مشروع دولة بديل.
لقد انتصرت تشرين في الوعي، وما زالت معركة الدولة مفتوحة.
وبذلك تصبح تشرين ليست نهاية مرحلة، بل بداية سؤال الدولة.
غداً: المشروع الوطني بوصفه طريق الخروج من مأزق الأيديولوجيات والدين السياسي إلى دولة المواطنة والمؤسسات.
.

