المشروع الوطني العراقي

4

 

 

العراق يحتاج دولة… لا سلطة

 

الورقة السابعة

 

الرؤية الوطنية بوصفها الإطار الفكري والسياسي للمشروع الوطني

 

مقدمة

إذا كانت الشروط الموضوعية تفتح باب التحول، وكان الفاعلون يحملون المشروع، فإن الرؤية الوطنية هي التي تمنع هذا التحول من الانزلاق إلى صراع اتجاهات متنافسة. فالقوى التي تتحرك بلا رؤية جامعة تتحول إلى مراكز نفوذ متجاورة، لا إلى مشروع تاريخي قادر على إعادة بناء الدولة.

في التجربة العراقية، لم يكن التعثر ناتجًا عن غياب المبادرات وحده، بل عن غياب إطار فكري واستراتيجي يحدد شكل الدولة المطلوبة، ومسار الانتقال، وحدود الحركة داخليًا وخارجيًا. ولهذا تحولت كثير من التحركات إلى إدارة أزمات متكررة بدل أن تكون مشروعًا لإعادة التأسيس.

تنطلق هذه الورقة من أن الرؤية الوطنية ليست عنصرًا مكملاً للمشروع الوطني، بل شرطًا ناظمًا له، وتبحث في طبيعتها ووظيفتها ومرتكزاتها والتحديات التي تواجهها.

أولًا: مفهوم الرؤية الوطنية ووظيفتها التاريخية

الرؤية الوطنية ليست برنامجًا حكوميًا مؤقتًا، ولا خطابًا تعبويًا عابرًا، ولا منظومة أيديولوجية مغلقة. إنها إطار استراتيجي جامع يحدد طبيعة الدولة ووظيفتها، وشكل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وموقع الدولة في النظام الدولي، والمبادئ الحاكمة للعمل السياسي، والاتجاه العام للتحول التاريخي.

فهي تحدد الغاية والاتجاه، بينما تتولى الاستراتيجيات المرحلية تحديد الوسائل والخطوات. وهي تختلف عن الأيديولوجيا في كونها إطارًا عمليًا مفتوحًا على التكيف مع الواقع، لا تصورًا جامدًا للحقيقة.

وتتمثل وظيفتها التاريخية في توحيد الإرادة الوطنية حول تصور مشترك للدولة، وضبط مسار التحول ومنع الفوضى والانحراف، وتقليل الصراع بين الفاعلين عبر مرجعية جامعة، وتحويل المطالب المتفرقة إلى مشروع منظم ذي اتجاه واضح.

الرؤية الوطنية هي العقل المنظم للمشروع الوطني، ومن دونها يفقد المشروع معناه واستمراريته.

ثانيًا: الصورة المستقبلية التي تستهدفها الرؤية الوطنية

لا تكتمل أي رؤية وطنية ما لم تحدد بوضوح الصورة التي تسعى إلى الوصول إليها.

والغاية التي ينبغي أن تتجه إليها الرؤية الوطنية في العراق هي بناء دولة مستقرة ذات سيادة مكتملة، تحتكر أدوات القوة وفق القانون، وتدير التنوع الاجتماعي ضمن إطار المواطنة، وتتمتع بمؤسسات فاعلة واقتصاد منتج، وتملك القدرة على حماية مصالحها الوطنية وإقامة علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي.

فالرؤية الوطنية لا تنشغل فقط بمعالجة أزمات الحاضر، بل برسم ملامح الدولة التي يراد للعراق أن يكونها خلال العقود القادمة.

ثالثًا: مرتكزات الرؤية الوطنية في العراق

لا يمكن للرؤية الوطنية في العراق أن تكون صيغة مثالية معزولة عن الواقع، بل يجب أن تنشأ من التعامل مع تعقيداته وإدارة تناقضاته. ويمكن تحديد أبرز مرتكزاتها في الآتي:

1- الدولة الوطنية الجامعة

دولة تقوم على المواطنة لا على الانتماءات الجزئية، وتستند إلى وحدة القرار واحتكار الدولة للقوة، وحياد المؤسسات تجاه الانقسامات، وإعادة تعريف السلطة بوصفها خدمة عامة لا مجالًا للنفوذ.

2- سيادة القانون والمؤسسات

من خلال بناء نظام مؤسسي مستقر، واستقلال القضاء، والتعامل مع الفساد باعتباره تهديدًا وجوديًا للدولة لا مجرد خلل إداري.

3- عقد سياسي جديد

يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويضمن الحقوق والحريات، ويؤسس لشرعية قائمة على الإرادة الشعبية لا على توازنات مؤقتة.

4- توازن العلاقات الدولية

سياسة خارجية تقوم على المصالح الوطنية، وتحمي السيادة عبر التوازن، وتجنب الدولة الوقوع بين العزلة والارتهان.

5- التنمية والاستقرار الاقتصادي

تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وبناء اقتصاد إنتاجي، وربط التنمية بالاستقرار المؤسسي والسياسي.

6- العدالة الوطنية

بما يشمل العدالة في توزيع الفرص والموارد والخدمات، والحد من التفاوتات غير المبررة بين المناطق والفئات الاجتماعية، وتعزيز الشعور بالمشاركة المتكافئة في الدولة. فالاستقرار السياسي لا ينفصل عن الإحساس العام بالعدالة والإنصاف.

والرؤية الوطنية لا تتحقق بمجرد جمع هذه العناصر، بل بإقامة توازن دقيق بينها ضمن واقع سياسي واجتماعي معقد.

رابعًا: الرؤية الوطنية وإعادة تعريف الدولة

الدولة التي تشكلت بعد عام ٢٠٠٣ لم تكن نتيجة خلل عابر، بل نتاج بنية سياسية قامت على تقاسم السلطة وإدارة التوازنات. ولذلك فإن الانتقال إلى دولة المواطنة لا يتحقق بإصلاحات سطحية، بل بإعادة بناء القواعد الحاكمة للنظام السياسي نفسه.

والتحول المطلوب هو ا١نتقال تدريجي وعميق:

من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة.

من شبكات النفوذ إلى مؤسسات القانون.

من إدارة الأزمات إلى إنتاج الاستقرار.

من ساحة تنازع إلى مركز سيادة.

ومن شرعية التوافقات المؤقتة إلى شرعية الدولة القادرة والعادلة.

فالمشروع الوطني لا يستهدف هدم الدولة القائمة، بل إعادة بناء قواعدها الحاكمة وتصحيح مسارها بما يسمح بتحولها إلى دولة مواطنة ومؤسسات قادرة على الاستمرار.

 خامسًا: الرؤية الوطنية وإعادة بناء الشرعية السياسية

أزمة العراق في جوهرها ليست أزمة أشخاص أو حكومات، بل أزمة شرعية.

والشرعية الجديدة لا تُبنى بالشعارات، بل عبر تمثيل حقيقي للمجتمع، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، ومشاركة سياسية فاعلة، وأداء مؤسسي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

فالشرعية السياسية ليست خطابًا، بل علاقة ثقة تُبنى عبر الأداء والاستقرار والقدرة على تلبية الاحتياجات العامة للمجتمع.

سادسًا: الرؤية الوطنية والهوية السياسية الجامعة

لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون هوية سياسية مشتركة تتجاوز الانقسامات الطائفية والإثنية.

لذلك ينبغي أن تعزز الرؤية الوطنية مفهوم المواطنة، وتبني ذاكرة وطنية جامعة، وترسخ الانتماء للدولة بوصفها الإطار المشترك للجميع، وتحد من هيمنة الهويات الجزئية في المجال السياسي.

غير أن بناء الهوية الوطنية لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو القومية أو الثقافية، بل إيجاد إطار وطني جامع يسمح لهذه التعددية بالتعايش داخل دولة واحدة ومصلحة وطنية مشتركة.

فالوحدة الوطنية لا تعني التشابه الكامل، بل الاتفاق على مرجعية سياسية ووطنية واحدة رغم اختلاف الانتماءات الفرعية.

ولهذا فإن الوحدة الوطنية ليست شعارًا، بل شرطًا بنيويًا لبقاء الدولة واستقرارها.

سابعًا: التحديات التي تواجه بناء الرؤية الوطنية

بناء رؤية وطنية جامعة يواجه عقبات عميقة، منها:

الانقسام السياسي والاجتماعي.

تضارب المصالح داخل النظام القائم.

مقاومة القوى المستفيدة من الوضع الراهن.

التدخلات الخارجية.

ضعف الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

تراكم الإخفاقات التاريخية التي ولدت الشك تجاه أي مشروع إصلاحي جديد.

فالرؤية الوطنية تواجه مقاومة لأنها تعيد توزيع القوة وتغير قواعد العمل السياسي، وتفرض إعادة تعريف المصالح والعلاقات داخل الدولة.

ثامنًا: شروط نجاح الرؤية الوطنية

لكي تتحول الرؤية إلى واقع، لا بد من:

توافق وطني واسع حولها.

ترجمتها إلى برنامج سياسي قابل للتنفيذ.

قيادة ذات مصداقية ومؤسسية.

إصلاح بنيوي حقيقي.

دعم شعبي منظم ومستمر.

قدرة مؤسسات الدولة على استيعاب التحول وحمايته.

فالرؤية بلا أدوات تنفيذ تبقى فكرة، والأدوات بلا رؤية تتحول إلى صراع على السلطة.

خاتمة

الأزمات تولد الحاجة، والشروط تفتح الإمكان، والفاعلون يحملون المشروع، لكن الرؤية الوطنية وحدها تمنحه الاتجاه والمعنى والاستمرارية.

إعادة بناء الدولة، واستعادة السيادة، وتحقيق الاستقرار لا تتم بإدارة التوازنات وحدها، بل بصياغة رؤية وطنية جامعة تعيد تعريف الدولة وعلاقتها بالمجتمع وموقعها في العالم، وتحوّل الطاقة الاجتماعية والفاعلين السياسيين إلى مسار تاريخي منظم يقود إلى دولة مستقرة ذات سيادة مكتملة.

غير أن الرؤية مهما بلغت من الوضوح والاتساق تبقى إطارًا نظريًا ما لم تتحول إلى سياسات ومؤسسات وآليات تنفيذ قادرة على نقل الدولة من واقع الأزمة إلى أفق الاستقرار.

فالمشاريع الوطنية لا تُقاس بما تطرحه من أفكار فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الأفكار إلى واقع سياسي ومؤسسي مستدام، وهو ما يشكل التحدي الأكبر أمام أي مشروع يسعى إلى إعادة بناء الدولة العراقية على أسس جديدة.

 

غدا : مسارات تنفيذ المشروع الوطني وآليات التحول نحو الدولة الوطنية

من الرؤية إلى التحول المؤسسي

التعليقات معطلة.