حين تُرفع صور خامنئي تحت قبة البرلمان العراقي… من يمثل مَن؟

3

 

 

هناك مشاهد لا تحتاج إلى تعليق طويل، لأنها تتحدث عن نفسها. وما جرى داخل مجلس النواب العراقي، حين وقف عدد من النواب رافعين صور المرشد الإيراني علي خامنئي أمام عدسات الكاميرات، ليس مجرد لقطة إعلامية عابرة، بل حدث سياسي مكتمل الأركان، يحمل من الدلالات ما يفوق آلاف الكلمات.

ففي الدول ذات السيادة، تُرفع داخل البرلمانات رايات الوطن، وصور الآباء المؤسسين، والرموز الوطنية التي توحد الشعب. أما أن تُرفع صور زعيم دولة أخرى داخل المؤسسة التشريعية التي يفترض أنها تمثل الإرادة الشعبية العراقية، فذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد “حرية تعبير” ، لأن المكان يمنح الفعل معناه، والرمز يمنح الرسالة مضمونها.

البرلمان ليس ساحة حزبية مغلقة، ولا قاعة اجتماعات لتنظيم سياسي، بل هو أعلى مؤسسة دستورية تمثل الدولة العراقية أمام شعبها والعالم. وكل تصرف يقع تحت قبته يكتسب بعداً وطنياً، سواء أراد أصحابه ذلك أم لم يريدوا. ولهذا فإن رفع صور قائد دولة أجنبية داخل البرلمان لا يمكن فصله عن دلالته السياسية، لأنه يبعث برسالة تتجاوز الأشخاص إلى مفهوم الولاء والانتماء.

المشكلة ليست في صورة خامنئي بوصفها ورقة مطبوعة، وإنما في المعنى الذي تحمله. فالرموز في السياسة ليست زينة، بل لغة كاملة. وعندما يختار نائب أن يرفع صورة زعيم أجنبي في البرلمان، فإنه يعلم أن الكاميرات ستنقل تلك الصورة إلى ملايين العراقيين وإلى العالم، وأنها ستُقرأ بوصفها إعلاناً عن موقف سياسي، لا تصرفاً شخصياً.

ولعل أخطر ما في المشهد أنه لم يكن خفياً، ولم يحدث في اجتماع مغلق، ولم يُسرَّب من خلف الأبواب، بل وقع علناً، أمام عدسات الإعلام، وكأن أصحابه أرادوا أن يقولوا إن ارتباطهم بهذا الرمز ليس أمراً يستوجب الإخفاء، بل موقفاً يفخرون بإعلانه. وهذه النقطة وحدها تكشف حجم التحول الذي أصاب مفهوم الدولة لدى بعض القوى السياسية.

إن العراقي الذي يعاني من تراجع الخدمات، واستمرار الفساد، وتردي الاقتصاد، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، كان ينتظر من ممثليه أن يناقشوا حلولاً لأزماته المتراكمة، لا أن يقدموا مشهداً يزيد الانقسام، ويعمق الشكوك حول طبيعة الولاءات التي تحكم جزءاً من الطبقة السياسية.

ولا يتعلق الأمر بإيران وحدها. فالمبدأ واحد. فلو رفع نائب عراقي داخل البرلمان صورة رئيس أي دولة أجنبية، أياً كانت تلك الدولة، لتحول المشهد إلى سؤال كبير عن حدود الانتماء السياسي. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة تُوجَّه إليها منذ سنوات اتهامات واسعة بالتأثير في القرار العراقي ودعم قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة؟ هنا تصبح الصورة أكثر من رمز، وتتحول إلى رسالة سياسية بالغة الحساسية.

إن الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من جيوش أو ثروات، بل بما تفرضه مؤسساتها من احترام لسيادتها. والسيادة لا تُنتقص فقط بالدبابات أو الصواريخ، بل قد تُنتقص أيضاً حين تتحول مؤسسات الدولة إلى منصات لتمجيد رموز خارج حدودها.

لقد خاض العراقيون عقوداً طويلة من الصراعات، وكان حلمهم أن تكون بغداد عاصمة قرارها الوطني المستقل، لا ساحة تتنافس فيها المشاريع الإقليمية. ولذلك فإن أي مشهد يعيد إنتاج الانقسام بين الولاء للدولة والولاء للمحاور الخارجية لا يمكن أن يُنظر إليه باستخفاف، لأنه يمس جوهر فكرة الدولة العراقية نفسها.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: لماذا رُفعت تلك الصور؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها هذا المشهد أمراً عادياً لدى بعض القوى السياسية؟ وما الرسالة التي يتلقاها المواطن عندما يرى ممثليه يرفعون صور زعيم أجنبي تحت قبة البرلمان، في وقت ينتظر منهم الدفاع عن سيادة العراق ومصالحه؟

إن الأوطان لا تُبنى بالولاءات المتعددة، ولا تستقيم الدولة حين يتقدم الانتماء للمشروعات الخارجية على الانتماء للدستور. فالبرلمان العراقي يجب أن يبقى بيتاً للعراق وحده، لا منصة تُرفع عليها رموز أي دولة أخرى، لأن هيبة الدولة تبدأ من هيبة مؤسساتها، وإذا اهتزت الرموز، اهتزت معها ثقة المواطن بوطنه.

إن المشهد الذي وثقته الكاميرات لن يُنسى بسهولة، ليس لأنه تضمن رفع صورة، بل لأنه أعاد طرح السؤال الذي ما زال يؤرق العراقيين منذ سنوات: هل أصبح العراق هو المرجعية العليا لممثليه المنتخبين، أم أن بعضهم ما زال يرى مرجعيته السياسية خارج حدود الوطن؟

التعليقات معطلة.