إحدى العلامات المهمة والملحة فى «النظام الدولى الجديد» هو الصعود الجبار للدولة الصينية حتى باتت الدولة العظمى الثانية بلا منازع. منذ انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعى الصينى عام 1978 أخذت الصين مسارا مختلفا عما كانت عليه خلال الفترة «الماوية» قام على المواكبة بين انضباط الحزب الشيوعى الصينى، والانفتاح الاقتصادى الرأسمالى، والتركيز على التطورات التكنولوجية.
استفادت الصين كثيرا من «العولمة» الأمريكية التى أدخلتها إلى «منظمة التجارة العالمية»، وجذبت الشركات الأمريكية للتصنيع فى أقاليم الصين المختلفة. وبينما كانت الصين واقعة تحت لافتة دول العالم الثالث وما توفره لها الاتفاقيات الدولية من امتيازات ومعاملات تفضيلية، نتج عنها تحقيق فائض خرافى لصالح الصين فى التجارة الدولية. ومنذ عام 2003 أصبحت الصين تحقق فائضا فى ميزانها التجارى مع الولايات المتحدة قدره 500 مليار دولار سنويا. باتت الصين تحقق على حساب الولايات المتحدة وبقية دول العالم احتياطيات مالية ضخمة، وفائضا لا يقل ضخامة فى ميزانها التجارى. وهكذا انتقلت بكين من مرحلة «الكمون الاستراتيجى» إلى قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة، مستفيدة من قرارات استراتيجية اتُخذت قبل عقدين، معتمدة على الذات والابتكار التكنولوجى.
والحقيقة أن الصعود الصينى لم يقتصر على التجارة وفائضها وإنما أخذ أبعادا تكنولوجية فى الذكاء الاصطناعى والاستخدام الأمثل للمعادن النادرة وصناعة السلاح المتقدم؛ ولم يقل عن كل ذلك الاندفاع فى طريق السيارات الكهربائية ومجالات الطاقة المتجددة من الشمسية إلى الرياح، وختامًا الدخول فى بدايات «غزو» الفضاء.
«الصعود الصينى» خلق حالة من الانتظار لأدوار هامة فى تنظيم العالم الذى نعيش فيه لعل أكثرها أهمية هو ما يحدث فى الشرق الأوسط حاليا من حرب ضروس احتوت على حرب غزة الخامسة ومعها حرب الخليج الرابعة. ومع ذلك فإن الظهور الصينى فى الأزمة لم يختلف كثيرا عن ظهورها فى الحرب الأوكرانية حيث لم تعترف بضم روسيا لأراض أوكرانية، ولكنها أكدت أن اتساع حلف الأطلنطى شرق كان سبب الحرب الأساسى كما كانت وجهة النظر الروسية. وفى حروب الشرق الأوسط فإن اعتزاز الصين باستراتيجية «الكمون الاستراتيجى» ظلت غالبة على السلوكيات الصينية إزاء الأزمة حتى عندما أكدت خلال زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للصين أنها تؤيد مبدأ حرية المرور فى مضيق «هرمز»؛ ولكن بعد ذلك لم يكن هناك تأثير صينى على السلوك الإيرانى إزاء المضيق.
ما يبعث على الدهشة فى المنطقة المتفجرة أنه خلال السنوات القليلة الماضية فإن الدول العربية باتت تنظر إلى بكين كقوة بناء فى المنطقة خاصة أنه فى عام 2023 حصلت الصين على 36٪ من وارداتها البترولية من الخليج العربى العربية (السعودية والإمارات والكويت وقطر وعمان والبحرين)؛ وفى 2024 فإن تجارة الخليج مع الصين بلغت 300 مليار دولار، وهو ما تجاوز التجارة مع الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة معا. أكثر من ذلك فإن العلاقات الخليجية العربية مع ذلك كانت عميقة مع الصين فى مجالات لا تقل أهمية؛ فماذا تفعل حقيقة بكين فى مرتبة القوة العظمى الثانية فى العالم؟!. يتبع الثلاثاء

