خطاب ترامب يثير الشكوك حول نزاهة الانتخابات قبل أربعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي

1



اتهامات خطيرة للصين والدولة العميقة وتحذيرات من اختراقات خارجية ورسائل مبكرة لمعركة 2028

فريق راديو صوت العرب من أمريكا

أعاد الرئيس دونالد ترامب ملف نزاهة الانتخابات إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي، في خطاب استمر نحو 25 دقيقة ألقاه من القاعة الشرقية بالبيت الأبيض، حمل نبرة تحذيرية غير مسبوقة بشأن سلامة العملية الانتخابية.

واتهم ترامب خلال الخطاب جهات أجنبية، في مقدمتها الصين، بمحاولة التأثير على الانتخابات الأمريكية، كما تحدث عن تسجيل مهاجرين غير شرعيين في قوائم الناخبين، ودعا إلى تشديد إجراءات التحقق من أهلية التصويت.

ورغم أن الخطاب جاء في إطار الترويج لمشروع قانون “إنقاذ أمريكا”، الذي يشترط إثبات الجنسية عند تسجيل الناخبين، فإنه حمل في الوقت نفسه رسائل سياسية أعادت إلى الواجهة الجدل حول انتخابات عام 2020، التي لا يزال ترامب يؤكد أنها شابتها مخالفات.

في حين تتمسك المؤسسات الأمريكية بتقييماتها السابقة التي تؤكد عدم وجود أدلة على حدوث تزوير واسع النطاق غيّر نتائج الانتخابات، وفقًا لموقع “أكسيوس“.

قانون انتخابي في قلب المعركة

ركز ترامب جانباً كبيراً من خطابه على الدفاع عن مشروع قانون “إنقاذ أمريكا”، الذي يسعى إلى إلزام المواطنين بإثبات الجنسية الأمريكية قبل التسجيل للتصويت، معتبراً أن النظام الانتخابي الحالي يحتوي على ثغرات يمكن استغلالها.

ويواجه المشروع عقبات داخل مجلس الشيوخ، إلا أن الرئيس حاول استخدام الخطاب لحشد التأييد الشعبي والسياسي له، مقدماً إياه باعتباره خطوة ضرورية لحماية نزاهة الانتخابات ومنع أي تدخلات مستقبلية.

ويرى مراقبون أن إعادة طرح هذا المشروع في هذا التوقيت تعكس رغبة الإدارة الأمريكية في جعل أمن الانتخابات أحد أبرز عناوين المرحلة السياسية المقبلة.

أخطر اتهامات الخطاب

أكثر أجزاء الخطاب إثارة للجدل تمثلت في اتهام ترامب للصين بتنفيذ ما وصفه بـ”أكبر عملية اختراق لبيانات الانتخابات في التاريخ”، مستنداً إلى معلومات استخباراتية أولية قال إنها كُشف عنها مؤخراً.

وذكر ترامب أن الصين تمكنت من الحصول على نحو 220 مليون ملف خاص بالناخبين الأمريكيين، مدعياً أن هذه البيانات استُخدمت لإنتاج بطاقات اقتراع صبت في مصلحة المرشح الديمقراطي جو بايدن خلال انتخابات عام 2020.

كما وجه الرئيس انتقادات حادة إلى ما وصفه بـ”الدولة العميقة”، متهماً أجهزة الاستخبارات بحجب معلومات مهمة عن إدارته خلال ولايته الأولى، ومعتبراً أن تلك المؤسسات أخفت تقارير تتعلق بالنشاط الصيني وتأثيره المحتمل في الانتخابات.

إلا أن الوثائق التي أتاحها البيت الأبيض خلال الخطاب، بحسب تقارير إعلامية، تضمنت تقييماً أكثر تحفظاً، إذ وصفت المعلومات بأنها استخبارات أولية لم تخضع بعد لعمليات التحقق الكاملة.

كما تتعارض هذه الاتهامات مع التقييم الرسمي السابق لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، الذي أكد أنه لم يعثر على مؤشرات تثبت وجود تدخل أجنبي غيّر الجوانب التقنية للعملية الانتخابية، سواء في تسجيل الناخبين أو التصويت أو فرز الأصوات أو إعلان النتائج.

المهاجرون وقوائم الناخبين

وفي محور آخر، قال ترامب إن مراجعات أولية كشفت تسجيل نحو 278 ألف مهاجر غير شرعي في قوائم الناخبين بعدد من الولايات المتأرجحة، مشيراً إلى أن وزارة الأمن الداخلي تجري مراجعة أوسع قد تكشف عن أعداد أكبر على مستوى البلاد.

غير أن الرئيس لم يقدم خلال خطابه أدلة على أن هؤلاء الأشخاص شاركوا فعلياً في التصويت.

كما تشير مراجعات مستقلة وتقارير سابقة إلى عدم وجود أدلة تثبت حدوث تصويت واسع النطاق من قبل مهاجرين غير شرعيين في انتخابات 2020 أو في الانتخابات التي تلتها، وهو ما استند إليه منتقدو تصريحات ترامب للتشكيك في صحة هذه الادعاءات.

مخاوف سيبرانية

وحذر ترامب من وجود “ثغرات صادمة” في أنظمة التصويت الأمريكية، معتبراً أن التهديدات السيبرانية أصبحت تمثل تحدياً متزايداً للبنية التحتية للانتخابات.

ورغم نبرة التحذير، لم يذهب الرئيس الأمريكي إلى حد القول إن تلك الثغرات أدت بالفعل إلى تغيير نتائج الانتخابات.

وتشير تقارير إعلامية إلى وجود تناقض بين هذه التحذيرات وبعض السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب، إذ سبق أن خُفضت موازنات وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA)، كما جرى تقليص دور لجنة مساعدة الانتخابات، وهي هيئة مستقلة تقدم الدعم الفني للولايات في إدارة العملية الانتخابية.

تمهيد مبكر لمعركتي نوفمبر و2028

يرى محللون أن الخطاب لم يكن موجهاً فقط لمعالجة ملفات انتخابية حالية، بل حمل أيضاً رسائل سياسية استعداداً للاستحقاقات المقبلة، سواء انتخابات التجديد النصفي أو الانتخابات الرئاسية اللاحقة.

ودعا ترامب الولايات إلى التعاون مع الحكومة الفيدرالية لشطب أسماء الناخبين غير المؤهلين من السجلات الانتخابية، وهي خطوة يعتبرها الجمهوريون وسيلة لتعزيز نزاهة الانتخابات، بينما يرى الديمقراطيون أنها قد تستخدم لتقليص مشاركة بعض الفئات الانتخابية.

كما أن إعادة الحديث عن انتخابات 2020 تعكس استمرار اعتماد ترامب على هذا الملف كجزء من خطابه السياسي، رغم مرور سنوات على تلك الانتخابات.

انقسام داخل الجمهوريين

ولم يقتصر الجدل على الديمقراطيين، بل امتد إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبحسب ما نقلته تقارير إعلامية، يرى بعض مستشاري ترامب أن التركيز على قضية نزاهة الانتخابات يساعد على تعبئة القاعدة الجمهورية وحشدها للمشاركة في الاستحقاقات المقبلة.

في المقابل، يحذر عدد من خبراء استطلاعات الرأي الجمهوريين من أن استمرار الحديث عن “الانتخابات المسروقة” قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة لدى الناخبين المستقلين والمترددين.

ووصف أحد خبراء استطلاعات الرأي الجمهوريين هذه الاستراتيجية بأنها “خطأ كبير”، مشيراً إلى أن اختبارات مجموعات النقاش أظهرت أن كثيراً من الناخبين الذين لديهم تحفظات على انتخابات 2020 لا يتجاوبون مع العودة المستمرة إلى هذا الملف.

قراءة سياسية

يحمل خطاب ترامب أكثر من رسالة في توقيت بالغ الحساسية. فالرسالة الأولى موجهة إلى القاعدة الجمهورية، إذ يسعى الرئيس الأمريكي إلى إعادة تقديم نفسه باعتباره المدافع الأول عن نزاهة الانتخابات، وهو الملف الذي أصبح جزءاً أساسياً من خطابه السياسي منذ عام 2020.

أما الرسالة الثانية فتستهدف الكونغرس، من خلال ممارسة ضغط سياسي وشعبي لدفع مشروع قانون “إنقاذ أمريكا”، الذي تعتبره الإدارة أداة لتعزيز الثقة في العملية الانتخابية.

وفي المقابل، فإن إعادة توجيه الاتهامات إلى الصين وأجهزة الاستخبارات تعكس استمرار نهج ترامب في ربط قضايا الأمن القومي بالسياسة الداخلية، مع تحميل مؤسسات الدولة مسؤولية ما يعتبره إخفاقات صاحبت الانتخابات السابقة.

ورغم أن الخطاب أعاد إحياء أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل الولايات المتحدة، فإنه لم يقدم أدلة جديدة حاسمة تثبت وقوع عمليات تزوير غيّرت نتائج انتخابات 2020، وهو ما يبقي الجدل السياسي والقانوني قائماً بين الرواية التي يتبناها الرئيس الأمريكي والتقييمات الرسمية التي صدرت عن مؤسسات الانتخابات والاستخبارات الأمريكية.

ماذا بعد؟

من المتوقع أن يظل ملف نزاهة الانتخابات محوراً رئيسياً في الخطاب السياسي الأمريكي خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار الجدل حول قوانين التصويت وإثبات الجنسية، وتزايد الاستقطاب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن ترامب يسعى إلى تحويل هذا الملف من مجرد خلاف حول انتخابات 2020 إلى قضية سياسية ممتدة تتعلق بمستقبل النظام الانتخابي الأمريكي، وهو ما يجعلها مرشحة للبقاء في قلب النقاش العام حتى الانتخابات المقبلة.

التعليقات معطلة.