كيف أحرقت البيرو أموال التعليم؟

1

د. عزة السبيعي

تُعرف البيرو بحيوان الألبكة الأبيض، الذي يشبه اللاما، وحجمه قريب من حجم الجدي، ورقبته الطويلة تذكرني بحيواننا الوطني الجمل، وإن كان حيواننا أكثر صلابة وقسوة نوعًا ما، لكنهما لطيفان جدًا على كل حال.

والبيرو مثل بعض الدول الخليجية تعتمد في جزء مهم من اقتصادها على موارد طبيعية تتأثر بالسوق وارتفاع الأسعار وانخفاضها، وهي قريبة من السعودية في عدد السكان، وإن كانت السعودية أكبر منها مساحة، لكن اقتصاد المملكة أكبر من اقتصادها بأكثر من أربعة أضعاف تقريبًا. ويصنفها البنك الدولي ضمن الدول متوسطة الدخل الأعلى، وليست من الدول التي تنفق على التعليم إنفاق الدول الغنية.

وإذا اعتبرنا دراسة بيزا (PISA)، وهي البرنامج الدولي لتقييم الطلبة الذي تشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، واحدة من المحطات التي تكشف لنا قصص النجاح والفشل في التعليم، فإن قصة البيرو تستحق التوقف.

فخلال الفترة من 2012 إلى 2018 استطاعت البيرو أن تحقق تقدمًا لافتًا في أداء الطلبة في سن الخامسة عشرة في القراءة والرياضيات والعلوم.

في القراءة انتقلت من 384 إلى 401 نقطة، وفي الرياضيات من 368 إلى 400 نقطة، وفي العلوم من 373 إلى 404 نقاط.

قد تبدو هذه مجرد أرقام، لكن السؤال الأهم: ماذا تعني هذه النقاط اقتصاديًا؟

من أشهر الدراسات في هذا المجال تقديرات Hanushek وWoessmann التي استخدمتها OECD، والتي تفترض في أحد سيناريوهاتها أن تحسنًا بمقدار 25 نقطة في PISA يمكن أن يرتبط بزيادة ملموسة في معدل النمو الاقتصادي السنوي على المدى الطويل، بعد أن تدخل الأجيال الأعلى مهارة إلى سوق العمل.

بمعنى آخر: نقطة بيزا ليست مجرد نقطة في اختبار دولي، بل قد تكون إشارة إلى رأس مال بشري أفضل، وإنتاجية أعلى، واقتصاد أقوى في المستقبل.

وهناك خبر جميل في هذه القصة، وسأعود إليه لاحقًا، وهو أن نتائج المملكة في PISA 2018 كانت في بعض المجالات قريبة من المستوى الذي كانت عنده البيرو قبل سنوات من تحسنها الكبير.

هذه التشابهات مع تجربة البيرو هي بالنسبة لي فأل خير للتعليم السعودي، لكن الفأل وحده لا يكفي. نحتاج إلى عمل كبير، وجهود عظيمة، والأهم مراجعة حقيقية للطريقة التي ندير بها ميزانيات التعليم، سواء في الوزارة أو المراكز والمعاهد أو هيئة تقويم التعليم والتدريب.

وهنا أصل إلى أكثر ما يعنيني في تجربة البيرو.

لقد حاولت البيرو أن تنتقل في إدارة المال العام، وبصورة أدق المال المخصص للتعليم، من سؤال:

كم نحتاج أن ننفق؟

إلى سؤال:

ماذا حقق الإنفاق؟

وهذا هو جوهر ما يسمى Results-Based Budgeting أو الموازنة القائمة على النتائج.

أن تعتبر حجم ما أنفقته على برنامج ما مؤشر إنجاز، أو تتباهى بعدد المدارس التي شملها البرنامج، أو عدد المعلمين الذين دربتهم، أو عدد المستفيدين منه، فكل هذه إجابات لا تهمني كثيرًا إذا لم تجبني عن السؤال الحقيقي:

ماذا حدث للتعليم؟

ما الأثر الذي نتج عن هذه الأموال؟

هل تحسن أداء المعلمين؟ جميل، أثبت ذلك.

هل تحسنت المدرسة؟ أثبت ذلك.

وأقوى ما يمكن أن تثبت به ذلك هو أن تقول لي: تحسنت مهارات الطلبة الأساسية.

ولهذا احتاجت حكومة البيرو إلى بناء منظومة تقويم وقياس توفر لها الأدلة التي تقود القرار التعليمي، فأصبحت النتائج والمؤشرات والأدلة أكثر حضورًا في قرارات التمويل والإدارة والمساءلة.

ولعلي أبشركم أن السعودية بنت وأطلقت أيضًا البرنامج الوطني للتقويم والتصنيف والاعتماد المدرسي، وهو برنامج ضخم سيكمل قريبًا دورته الأولى. وبالمناسبة، تصب معلومات هذا البرنامج، أو بالأحرى تُدار، في غرفة حالة التعليم، والتي حصل مديرو إدارات التعليم مؤخرًا على نوافذ تطل عليها وتمكنهم من الاعتماد على بياناتها، حيث تُجهز البيانات الخام في غرفة حالة التعليم لتتحول إلى أدلة علمية تسير القرار التعليمي في المملكة.

وهذا يعني أن لدينا دائرة شبه مكتملة يمكن البناء عليها لتبني الموازنة القائمة على النتائج في الإنفاق على البرامج التعليمية، بحيث لا يكون السؤال: كم صرفنا؟ بل:

ماذا اشترينا بهذا المال من تعلم؟

وما أود قوله أخيرًا أن البيرو ليست التجربة الوحيدة. بولندا مثلًا أعادت هيكلة نظامها التعليمي وغيرت في تصميمه، وحققت تحسنًا تعليميًا لافتًا. والتجارب الدولية تقول لنا شيئًا بسيطًا: ليست الميزانية الكبيرة وحدها هي التي تصنع تعليمًا جيدًا، وإنما قدرة النظام على تحويل المال إلى تعلم.

وهذا ما نتمناه في بلادنا.

أن نعرف أين يذهب المال، وماذا صنع، وما الذي تغير بسببه.

التعليقات معطلة.