‏ليس كل من بقي في الداخل خان… وليس كل من غادر امتلك الحقيقة

10

 

 

ثمة خطيئة فكرية تتكرر في خطاب بعض الكُتّاب والمحللين.

 

ليست لأنها ناتجة عن سوء نية بالضرورة.

 

بل لأنها تستسهل الطريق إلى الأحكام.

 

تلك الخطيئة اسمها التعميم.

 

ليس من العدل أن يتحول وطنٌ بأكمله إلى متهم لأن فئةً أخطأت.

 

ولا أن يُحاكم ملايين البشر بجريرة قلةٍ انحرفت.

 

العراق ليس كتلةً بشريةً متشابهة.

 

ولا ضميرًا واحدًا.

 

ولا عقلًا واحدًا.

 

ولا موقفًا واحدًا.

 

في العراق من خان.

 

وفيه من صبر.

 

وفيه من قاوم.

 

وفيه من دفع عمره كله ثمنًا لأنه رفض أن يبيع وطنه.

 

وأشد ما يوجع الأوطان ليس الخراب المادي.

 

بل أن يتحول أبناؤها إلى قضاة على بعضهم.

 

يصدرون الأحكام بلا محكمة.

 

ويختصرون التاريخ في جملة.

 

والناس في وصف.

 

أن تقول: بعض العراقيين.

 

فذلك توصيفٌ يقبل النقاش.

 

أما أن تقول: العراقيون.

 

وكأنك تتحدث باسم شعبٍ كامل.

 

فهذه ليست شجاعةً فكرية.

 

بل اختزالٌ قاسٍ للتاريخ والإنسان.

 

ليس من عاش خارج العراق أقدر بالضرورة على فهمه.

 

وليس من بقي فيه أقل وعيًا أو أقل وطنية.

 

فالمنفى يمنح زاويةً للرؤية.

 

لكنه لا يمنح احتكار الحقيقة.

 

والداخل يمنح المعايشة.

 

لكنه لا يمنح العصمة من الخطأ.

 

أما الحقيقة.

 

فلا تسكن جواز سفر.

 

ولا عنوان إقامة.

 

بل تسكن الإنصاف.

 

إن الذين بقوا في الداخل لم يكونوا جميعًا شركاء في الخراب.

 

كثيرون بقوا لأن أمًا هرمة لم يكن لها إلا أكتافهم.

 

وكثيرون بقوا لأن قبور آبائهم هناك.

 

وكثيرون بقوا لأنهم آمنوا أن الأوطان لا تُترك كلما اشتدت العاصفة.

 

وكثيرون لم يملكوا أصلًا حق الاختيار.

 

فأي عدلٍ يجعل هؤلاء جميعًا في قفص اتهامٍ واحد؟

 

الوطنية ليست شعارًا يرفعه من ابتعد.

 

ولا وسامًا يحتكره من اقترب.

 

الوطنية موقفٌ أخلاقي.

 

قد يحملها فلاحٌ على ضفاف الأهوار.

 

أو معلّمٌ في أزقة الموصل القديمة.

 

أو طبيبٌ يسهر على مرضاه في البصرة.

 

أكثر مما يحملها خطيبٌ يتحدث عن العراق من خلف منابر المنفى.

 

فحبُّ الأوطان لا يُقاس بمسافة الإقامة.

 

بل بمقدار الصدق والإنصاف في الحديث عنها.

 

ولأن العراق أكبر من أن تختصره الخلافات.

 

فإنه يستحق أن يُذكر شعرًا.

 

يا كرخُ فيك من النخيل عقيدةٌ

ما انحنت إلا ليعتدل الزمانُ.

 

والرصافةُ كلما ضاقت بها الدنيا.

وسَّعت صدر الحضارة والمكانُ.

 

بين الجانبين يمشي دجلةُ متعبًا.

يحمل التاريخ… لا يحمل الهوانَ.

 

فإذا اختلف العراقيون يومًا.

بقي العراق هو الحقيقة… والبنيانُ.

 

إن أخطر ما يمكن أن يفعله المثقف.

 

أن يستبدل التحليل بالإدانة.

 

وأن يستبدل القراءة بالتعميم.

 

فالمثقف لا يُقاس بحدة لغته.

 

بل بعدالة ميزانه.

 

وليس كل من امتلك قلمًا.

 

امتلك حق توزيع الوطنية على الناس.

 

فالوطنية ليست صكًا يُمنح.

 

ولا شهادةً تُسحب.

 

ولا تهمةً تُلقى في وجه شعبٍ كامل.

 

إذا أردنا أن ننصف العراق.

 

فلنبدأ باللغة.

 

لنقل بعضهم حين يكون بعضهم.

 

ولنقل فئة حين تكون فئة.

 

أما أن نختصر أكثر من أربعين مليون إنسان في حكمٍ واحد.

 

فذلك ليس توصيفًا للواقع.

 

بل ظلمٌ جديد.

 

العراق اليوم لا يحتاج إلى من يعدد عيوب أبنائه.

 

بل إلى من يميز بين الجرح والجارح.

 

وبين العجز والخيانة.

 

وبين من سُلبت منه الدولة.

 

ومن اتخذها رهينة.

 

فالأمم لا تنهض حين يتبادل أبناؤها الاتهامات.

 

بل حين يتعلمون أن الإنصاف هو أول أشكال الوطنية.

 

وأن العدالة في الكلمة.

 

قد تسبق العدالة في الحكم.

 

ولعل أصدق ما يقال للعراق.

 

ليس أن أبناءه متشابهون.

 

بل إنهم، رغم اختلافهم، يجتمعون على حقيقة واحدة.

 

أن هذا الوطن يستحق أن يُنصف قبل أن يُحاكم.

 

فالإنصاف قبل الحكم.

 

‎#ميان

التعليقات معطلة.