هدية المملكة : ملعبٌ لم يُنجز…. وعلاقةٌ أكبر من السياسة

5

 

 

في العلاقات بين الشعوب، ليست كل المبادرات مجرد مشاريع إسمنت وحديد.

أحياناً يتحول مشروع صغير في ظاهره إلى رمز كبير في معناه، وإلى اختبار حقيقي لنيات التقارب وقدرة السياسة على صناعة الأمل بدل الأزمات.

هكذا كان يمكن أن يكون الملعب الرياضي الذي أهداه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى العراق في مارس عام 2018، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك حيدر العبادي.

لم يكن الأمر مجرد هدية رياضية عابرة، بل رسالة سياسية وإنسانية واجتماعية عميقة تقول إن المملكة العربية السعودية تريد فتح صفحة جديدة مع العراق، عنوانها التقارب العربي والتعاون المشترك والمصالح المتبادلة بين شعبين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والدم والمصير.

لكن السنوات مرت…. وبقي الملعب معلقاً، تماماً كما بقيت مشاريع كثيرة أخرى تصطدم بجدار التناقضات داخل الطبقة السياسية العراقية، وبحسابات إقليمية لا تريد لهذا التقارب أن ينجح أو يتوسع.

المشكلة لم تكن يوماً في الشعبين.

العراقيون والسعوديون لم يكونوا خصوماً في وجدانهم الشعبي الحقيقي، بل إن القطيعة الطويلة التي مرت بها المنطقة صنعتها الحروب والتجاذبات السياسية والمحاور والصراعات الإقليمية، لا الناس البسطاء الذين ظلوا يرون في بعضهم امتداداً طبيعياً لعلاقة أخوية عميقة.

ولهذا فإن تعطّل مشروع الملعب لا يمكن قراءته فقط بوصفه تعثراً إدارياً أو فنياً، بل بوصفه صورة رمزية لحجم الصراع الذي واجه أي محاولة لإعادة العراق إلى عمقه العربي الطبيعي.

فمنذ سنوات، قدمت السعودية سلسلة مبادرات واضحة باتجاه العراق: فتح المنافذ الحدودية، تنشيط التبادل التجاري، مشاريع الربط الكهربائي، الاستثمار الزراعي والصناعي، ودعوات مستمرة لبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد.

وفي ملف الكهرباء تحديداً، كانت المملكة تطرح نفسها شريكاً قادراً على المساهمة في تخفيف واحدة من أكبر الأزمات التي أنهكت العراقيين لعقود، بينما بقيت الحكومات العراقية تدور داخل الحلقة نفسها من العجز والتأجيل والارتهان للمعالجات المؤقتة.

العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى حلول سياسية، بل إلى مشاريع تنمية حقيقية تعيد الحياة إلى اقتصاده المنهك، وتخلق فرص عمل لملايين الشباب الذين يعيشون بين البطالة واليأس وفقدان الأفق.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الانفتاح على السعودية ودول الخليج بوصفه خياراً اقتصادياً واستراتيجياً يخدم العراقيين قبل أي طرف آخر.

فالسعودية ليست مجرد دولة جارة، بل واحدة من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وتمتلك قدرات استثمارية هائلة يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية للعراق إذا توفرت البيئة السياسية والإدارية المناسبة.

الاستثمارات السعودية في الزراعة والطاقة والصناعة والإسكان والبنية التحتية يمكن أن تخلق عشرات آلاف الوظائف، وتحرك السوق العراقية، وتفتح أبواباً جديدة للنمو الاقتصادي، وتقلل من اعتماد العراق على الاقتصاد الريعي الأحادي الذي أثبت فشله.

لكن بعض القوى ما زالت تنظر إلى أي تقارب عربي مع العراق بعين الريبة والخوف، وكأن انفتاح بغداد على محيطها العربي يمثل تهديداً لمصالحها أو لنفوذها السياسي.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

العراق لا يمكن أن يعيش معزولاً عن عمقه العربي، تماماً كما أن استقرار المنطقة يحتاج إلى عراق قوي ومتوازن ومنفتح على جميع أشقائه، لا ساحة صراع دائمة بين المحاور.

إن بناء علاقة صحية بين بغداد والرياض لا يجب أن يُفهم بوصفه اصطفافاً ضد أحد، بل باعتباره ضرورة طبيعية تخدم الشعبين وتفتح أبواب التعاون والاستقرار والتنمية.

فالشعوب لا تعيش بالشعارات الحادة والخطابات المتشنجة، بل بالمصالح المشتركة، وفرص العمل، والطاقة، والتعليم، والاستثمار، والتبادل الثقافي والاقتصادي.

ولهذا فإن الملعب الذي لم يُنجز يجب ألا يبقى مجرد قصة مشروع متعثر، بل ينبغي أن يتحول إلى تذكير مؤلم بحجم الفرص التي ضاعت على العراق بسبب الصراعات الضيقة والحسابات الصغيرة.

العراق والسعودية أكبر من كل حملات التوتر.

وأعمق من كل الخلافات السياسية العابرة.

وما يجمع الشعبين ليس مجرد حدود جغرافية، بل تاريخ طويل من الروابط الاجتماعية والثقافية والإنسانية.

ربما آن الأوان كي ينتصر صوت العقل والمصلحة المشتركة على أصوات التخويف والتشنج، وأن يُنظر إلى التقارب العراقي ـ السعودي بوصفه فرصة لبناء مستقبل أفضل لشعبين يستحقان الاستقرار والازدهار، لا استمرار القطيعة وسوء الفهم.

فالملعب الذي تأخر بناؤه…. قد يكون بداية لبناء ما هو أهم بكثير، واعادة الثقة من جديد.

التعليقات معطلة.