هل أصبحت بكين عاصمة القرار؟

3

 

قبل سنوات قليلة فقط، كان العالم ينظر إلى بكين بوصفها عاصمة اقتصادية صاعدة، ومصنعاً هائلاً للعالم، وقوة تجارية تنافس الغرب بهدوء وبراغماتية. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بالكامل. فالعاصمة الصينية لم تعد مجرد مركز اقتصادي عالمي، بل تحولت تدريجياً إلى محطة إلزامية لكل القوى الكبرى التي تبحث عن مستقبل النظام الدولي الجديد.

من موسكو إلى واشنطن، ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا، أصبح السؤال المطروح في الكواليس الدولية: ماذا تريد الصين؟

وكيف ستتصرف بكين؟

وهذا بحد ذاته تحول تاريخي بالغ الدلالة.

فعلى امتداد عقود طويلة، كانت العواصم الكبرى تدور حول واشنطن سياسياً وأمنياً، بينما بقيت الصين تتحرك بحذر شديد، تراقب وتبني اقتصادها وتتجنب الصدام المباشر. لكن العالم الذي خرج من الحروب الاقتصادية، والأزمات المالية، وحرب أوكرانيا، والانقسام التكنولوجي، لم يعد يشبه العالم الذي صعدت فيه أميركا منفردة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

اليوم، لا توجد أزمة دولية كبرى تقريباً إلا وتكون الصين جزءاً أساسياً من معادلتها: الطاقة، التجارة، سلاسل التوريد، الذكاء الاصطناعي، الموانئ، المعادن النادرة، العملات، وحتى التوازنات العسكرية في آسيا والشرق الأوسط.

ولذلك فإن توافد القادة إلى بكين لم يعد مجرد نشاط دبلوماسي، بل اعتراف ضمني بأن القرار العالمي لم يعد يُصنع في مكان واحد فقط.

لكن هل أصبحت بكين فعلاً “عاصمة القرار” ؟

الإجابة الدقيقة أن الصين لم تصل بعد إلى مرحلة الهيمنة الأميركية التقليدية، لكنها نجحت في فرض نفسها “كـمركز توازن” لا يمكن تجاوز إرادته. وهذا فرق مهم جداً.

فالولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأولى في العالم، وتمتلك أكبر شبكة تحالفات ونفوذ مالي واستخباري. لكن الصين أصبحت القوة التي يضطر الجميع إلى حساب رد فعلها قبل اتخاذ أي خطوة استراتيجية كبرى.

حتى الحروب لم تعد تُقرأ فقط عبر موقف واشنطن، بل عبر سؤال آخر: هل ستسمح بكين بذلك؟

وهل ستعارض؟ أم ستلتزم الصمت؟ أم ستستفيد؟

وهنا تظهر طبيعة الصين المختلفة عن القوى التقليدية. فبكين لا تقدم نفسها كقوة ثورية تريد تدمير النظام العالمي، بل كقوة تريد إعادة تشكيله تدريجياً بما يخدم مصالحها. إنها تتقدم بخطوات محسوبة، وتستخدم الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والاستثمارات كأدوات نفوذ أكثر من استخدامها للقوة العسكرية المباشرة.

لكن خلف هذا الهدوء، تبني الصين شيئاً أكبر بكثير: شبكة اعتماد عالمي تجعل من الصعب على أي دولة كبرى تجاهلها أو الدخول في مواجهة شاملة معها.

ولهذا أصبحت بكين اليوم أشبه بغرفة التوازن الدولية: روسيا تحتاجها لتخفيف العزلة الغربية، وأوروبا تحتاج أسواقها، والشرق الأوسط يحتاج استثماراتها، وحتى الولايات المتحدة نفسها لا تستطيع فك الارتباط معها بالكامل رغم الصراع المتصاعد.

الأمر الأخطر أن الصين تستفيد من أخطاء الجميع.

فكلما استنزفت الحروب خصومها، وكلما انقسم الغرب أكثر، وكلما غرقت المنطقة العربية في الفوضى، كانت بكين تتقدم بهدوء نحو مركز القيادة الاقتصادية والسياسية العالمية.

لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الصعود نحو القمة يجلب معه المخاطر. فكل قوة تقترب من موقع القيادة تبدأ تلقائياً بالاحتكاك مع القوى المهيمنة القديمة. وهذا ما يفسر التصعيد الأميركي المتزايد ضد الصين في ملفات التكنولوجيا والتجارة والبحار والنفوذ الآسيوي.

العالم اليوم لا يعيش فقط صراع نفوذ، بل يعيش انتقالاً بطيئاً لمركز الثقل الدولي.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل صعدت الصين؟

بل أصبح: هل بدأ العالم فعلاً بالدوران حول بكين كما كان يدور يوماً حول واشنطن وحدها؟

التعليقات معطلة.