انتهاء العولمة وبداية عصر الدول الوطنية؟

24





 

قراءة تحليلية في تصريحات كير ستارمر وتداعياتها على الشرق الأوسط والعراق

في تصريح غير مسبوق من رئيس وزراء بريطاني ينتمي لحزب العمال، صرّح كير ستارمر لصحيفة التايمز البريطانية بأن “عصر العولمة قد انتهى”، مشيرًا إلى أن “العالم تغيّر”، وأن “ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن هذا الملف بات مفهومًا ومبررًا لدى الناس، رغم وجود خلافات كثيرة معه في قضايا أخرى”.
هذا التصريح الصادر عن زعيم تيار سياسي عُرف بدعمه التقليدي للعولمة والانفتاح، لا يمكن اعتباره مجرد موقف عابر، بل هو مؤشر لتحول بنيوي في نظرة النخب السياسية الغربية للنظام الدولي. وهو، في جوهره، يمثل اعترافًا ضمنيًا بسقوط النموذج الليبرالي العابر للحدود، وبداية البحث عن صيغ وطنية جديدة تعيد الاعتبار للدولة القومية.

أولًا: العولمة بين النظرية والتطبيق – نقد التجربة
منذ تسعينيات القرن الماضي، طُرحت العولمة كخيار “حتمي” لنقل البشرية إلى عصر جديد من التكامل والازدهار. إلا أن الواقع العملي كشف عن نتائج معكوسة في كثير من البلدان، خصوصًا في العالم النامي.
ففي سياق العولمة، جرى:
تفكيك المؤسسات الوطنية تحت شعار “إعادة الهيكلة”
خصخصة الموارد العامة وإضعاف الدولة لصالح الأسواق المفتوحة
تصاعد التفاوت الطبقي وتهميش الفئات المنتجة
تآكل الهويات الثقافية لحساب نمط استهلاكي معولم
لقد شكّلت هذه السياسات بيئة خصبة لصعود الشعبوية والتشكيك في النخب التقليدية، ليس فقط في الجنوب العالمي، بل حتى داخل الدول الغربية نفسها، كما ظهر في “بريكست” وصعود التيارات القومية في أوروبا وأميركا.

ثانيًا: العراق كنموذج للتأثيرات السلبية للعولمة المفروضة
يشكّل العراق واحدًا من أبرز النماذج التي يمكن من خلالها قياس كُلفة العولمة حين تُفرض دون سياق وطني:
بعد عام 2003، فُرضت على العراق سياسات ليبرالية اقتصادية دون بنية إنتاجية وطنية.
أدى ذلك إلى انهيار الصناعة والزراعة والتعليم والخدمات العامة.
تكاملت هذه السياسات مع نموذج سياسي طائفي مدعوم خارجيًا، عزّز الانقسام الاجتماعي، وساهم في تفكيك الدولة.
تحولت “الشراكات الدولية” و”المشاريع المانحة” إلى أدوات نفوذ لا أدوات تنمية.
في هذا السياق، لم تكن العولمة سوى غطاء لعملية نزع سيادة مركّبة، شملت القرار السياسي والاقتصاد والهوية الوطنية.

ثالثًا: ستارمر وترامب… نهاية التوافق الغربي؟
حين انسحب دونالد ترامب من اتفاقيات دولية كاتفاق باريس للمناخ أو “النافتا”، ورفع شعار “أميركا أولًا”، واجه انتقادات شرسة واتهامات بالشعبوية. غير أن المراجعة اللاحقة للسياسات الغربية، كما عكستها تصريحات ستارمر، تُظهر أن ما كان يُعتبر تطرفًا بالأمس، أصبح اليوم “واقعية سياسية”.
يشير ذلك إلى تفكك التوافق الغربي حول العولمة، لصالح نماذج جديدة تركز على:
تعزيز الإنتاج المحلي
حماية الأسواق والحدود
إعادة الاعتبار للهوية القومية
تقليص الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية
هذا التحول يفتح الباب أمام “عصر ما بعد العولمة”، حيث تعود الدولة الوطنية إلى الواجهة بوصفها الوحدة الأساسية في التنظيم السياسي والاقتصادي.

رابعًا: تداعيات محتملة على الشرق الأوسط والعراق
التحول في الخطاب الغربي لا يمكن أن يبقى محصورًا داخل الحدود الأوروبية أو الأميركية. فالشرق الأوسط، بما فيه العراق، كان ميدانًا أساسيًا لتجريب سياسات العولمة، وغالبًا ما تلقى النتائج الكارثية لها دون أن يملك أدوات التأثير في مسارها.
انتهاء العولمة يعني من منظور عراقي بداية محتملة لمسار جديد، يشمل:
استعادة القرار السياسي الوطني بعيدًا عن التبعيات الدولية
إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية مستدامة بدل الاعتماد الريعي
تقوية مؤسسات الدولة مقابل تراجع دور الفصائل والولاءات ما فوق الوطنية
إعادة صياغة العلاقات الخارجية على قاعدة المصالح المتبادلة بين الشعوب، لا النخب السياسية

خامسًا: فرصة تاريخية مشروطة بالوعي والقدرة
يُظهر السياق الدولي اليوم ما يمكن وصفه بـ”الفراغ المعياري”؛ حيث تتراجع الأيديولوجيات الشاملة، ويُعاد رسم خرائط المصالح. هذه اللحظة التاريخية تمنح الدول المتضررة من العولمة – كالعراق – فرصة لإعادة تعريف نموذجها السياسي والاقتصادي، بعيدًا عن الإملاءات.
لكن اغتنام هذه الفرصة مشروط بعوامل داخلية:
وجود نخبة وطنية واعية قادرة على إدارة الانتقال
توفّر بيئة شعبية داعمة للتغيير البنيوي
صياغة رؤية واقعية متوازنة تقوم على السيادة لا الانعزال، وعلى الانفتاح المتكافئ لا التبعية

ما بعد العولمة من المراجعة إلى الاستعادة
إن تصريحات كير ستارمر ليست مجرد موقف سياسي، بل تمثل لحظة وعي غربي بحدود النموذج الذي جرى الترويج له لعقود. وفي المقابل، فإن دول الجنوب والعراق منها مدعوة اليوم لمغادرة موقع “الضحية”، نحو إعادة امتلاك القرار الوطني وبناء الدولة على أساس المصالح الشعبية .
إنه زمن المراجعة الصعبة، ولكنها قد تكون لحظة الاستعادة الحقيقية… لو وُجد من يلتقط الإشارة، ويفتح الباب للممكن الوطني في عالم يتغيّر .

التعليقات معطلة.