شيء من التاريخ

10





 

– الجزء الثاني عشر –

جميل عبدالله 

ان مسألة إلزام العراق بدفع التعويضات الى الكويت والدول الثالثة ورعاياها عن الإضرار الناجحة عن احتلال الكويت , تعالج بمنظور القانون الدولي من ثلاث زوايا قانونية :

مدخل عن مبدأ التعويض الناجم عن فعل محظور في القانون الدولي وتطوراته الفقهية وتقنينة من الأمم المتحدة وتطبيقاته من القضاء الدولي .

  • الآليات المعتمدة من مجلس الأمن لإلزام العراق بالتعويضات الناجحة عن احتلال الكويت ومدى مطابقتها لقواعد القانون الدولي .
  • مدى التزام قرارات مجلس للأمن المتعلقة بالتعويض الناجم عن الاحتلال بمبدأ عدم التمييز بين حالة احتلال العراق للكويت والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق . وعليه يتضمن هذا الفرع ثلاث مباحث , يخصص كل مبحث لزاوية من الزوايا الواردة اعلاه .

مبدأ التعويض الناجم عن فعل محظور في القانون الدولي وتطوراته الفقهية . ان التعويض الناجم عن فعل محظور دولياً ناجم عن المسؤولية الدولية . وهي القواعد القانونية التي تحكم العلاقة بين من أخل بأداء التزامه وبين من تضرر نتيجة ذلك . وتعكس قواعد المسؤولية درجة تطور النظام القانوني الذي يحتويها لذا فقد اهتمت لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة بموضوع ( مسؤولية الدول ) لتدويل قواعد القانون الدولي المتصلة به , منذ دورتها الأولى عام 1949 . وقررت الجمعية العامة منذ عام 1953 ان تبدأ اللجنة بتدوين المبادئ القانونية التي تحكم هذا الموضوع . وتعاقب على معالجته عدة مقررين خاصين من أعضاء لجنة القانون الدولي . وكان أولهم السيد آمادور الذي تقدم بستة تقارير منذ عام 1956 وحتى عام 1962 الذي قدم تقرير هذه اللجنة عام 1963 . وبعد انتخاب السيد آغو قاضياً في محكمة العدل الدولية تعاقب على دراسة المسؤولية الدولية في لجنة القانون الدولي عدة مقررين خاصين .
وبعد انتهاء اللجنة من المشروع الأولى لتقنين المسؤولية الدولية عام 1996 أحالت المشروع الى الدول لإبداء تعليقاتها .

انتهت لجنة القانون الدولي من تقنينها قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً في دورتها الثالثة والخمسين عام 2001 , وأحيل مشروع المواد مع التقرير الى الجمعية العامة التي أصدرت في دورتها السادسة والخمسين القرار 56/ 83 تاريخ 12/12/2001 الذي أرفقت به مواد قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً والتي تضم 59 مادة , موزعة على أربعة أبواب .

ونصت الفقرة العاملة الثالثة من القرار على ان الجمعية تحيط علماً بالمواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً وتعرضها على الحكومات من دون الحكم مسبقاً على مسألة اعتمادها او اتخاذ اجراء بشأنها مستقبلا ً . وقررت الجمعية العامة في دورتها التاسعة والخمسين وبقرارها رقم 59/35 تاريخ 2/12 / 2004 أحالة مشروع القواعد الى الحكومات لإبداء تعليقاتها . على ان تناقشها في الدورة الثانية والستون اي عام 2007 .

تقسم قواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة دولياً , بانها ذات طابع إعلاني , اي انها لم تنشئ هذه الحقوق وانما أعلنتها سنداً للقواعد العامة العرفية في القانون الدولي او التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية , اي انها مستمدة من نفس مصادر القانون الدولي التي وردت في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية . كما ان القواعد خالية من آليات تطبيقها , اذا ان ذلك متروك للصك الدولي الذي ستعمده الامم المتحدة بصيغة اتفاقية دولية تتضمن الآليات المناسبة لتطبيق الاتفاقية .

وعلى كل حال , لم يتضمن مشروع القواعد اية إشارة الى سلطة لمجلس الامن بإلزام الدول بجبر الضرر الناجم عن مسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عن فعل غير مشروع دوليا لان ذلك خاضع للقواعد العامة الواردة في المادة 33 من الميثاق اي المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية .

قرارات محكمة العدل الدولية تعزز من قواعد مسؤولية الدول , كانت محكمة العدل الدولية قد عززت من التوجه القانوني للمسؤولية الدولية عن الأفعال التي يحظرها القانون الدولي في قرارها المتعلق بالنزاع بين الولايات المتحدة ونيكاراغوا الصادر في 27 حزيران 1986 عندما أصدرت حكمها بجواز تقاضي نيكاراغوا عن الأضرار الناجحة عن الممارسات الأمريكية كونها محظورة دولياً .

وما يهمنا بصدد مسؤولية العراق عن الأضرار الناتجة عن احتلال الكويت , الإشارة الى ان مسؤولية العراق ناجحة عن فعل الاحتلال كونه غير مشروع في القانون الدولي , وتنطبق عليه القواعد العامة لمسؤولية الدول عن الأفعال المحظورة دولياً . ولكن الاهم هو الية الحصول على التعويضات وتحديد الأشخاص او الأطراف المستفيدة من التعويض .

وقد استقر الفقه الدولي على ان اليات الحصول على التعويض , تتسم بآليات رضائية توفيقية او قضائية تبدأ بلجان التوفيق وتنتهي بمحكمة العدل الدولية مرورا بالتحكيم . والمرجعية التشريعية في هذا التوجه ما ورد في المادة 33 من ميثاق الامم المتحدة التي تنص على ان تعرض الدول نزاعاتها التي تعرض حفظ السلام والأمن الدوليين للحظر . وحلها بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية . وهذا ما ورد في تقارير لجنة القانون الدولي حول آليات تسوية النزاعات المتعلقة بالمسؤولية الدولية , وليس من بينها قرارات عن مجلس الامن بتشكيل  لجنة لا تطبق إجراءات قضائية . وهذا ما تبناه المشروع  النهائي للجنة القانون الدولي عن مسؤولية الدول عن الأفعال غير مشروعة دولياً , الخالي من الآليات وتركها للصك الدولي الذي سيعتمد هذه القواعد , مع الإشارة الى خلو هذه القواعد من اختصاص مجلس الأمن حول هذه المسؤولية وفرضها ووضع آليات غير قضائية للمطالبات . ولكن الدراسات المتعلقة بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن المتعلقة بالحالة بين العراق والكويت , تشير الى ان ” الظروف السياسية الدولية المرافقة لصدور قرارات مجلس الأمن قد أفرزت دعماً للضحايا غير المباشرين والية للتعويض عن الأضرار تغذي من موارد الطرف المتعدي وفق رقابة دولية على هذه الموارد ولكن ذلك لا يشكل الا سابقة محدودة . لان بأكمله بني شكلياً على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

ان الآليات المعتمدة من مجلس الأمن لإلزام العراق بالتعويضات الناجمة عن احتلال الكويت ومدى مطابقتها لقواعد القانون الدولي , مرت النصوص الموضوعية والآليات المعتمدة من مجلس الامن المتعلقة بإلزام العراق بالتعويضات الناجمة عن احتلال الكويت , بعدة تطورات , بدأت باقرار مبدأ التعويض عن الأضرار ثم انتقلت الى أنشاء هيكلية مؤسسية دولية لدفع التعويضات تمول من موارد بيع النفط العراقي , ضمن نسبة معينة تراوحت بدءاً 30% وانخفضت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق الى 5% مروراً بخمسة وعشرين في المئة .

وعلى صعيد الآليات التي وضعها مجلس الأمن ولجنة الأمم المتحدة لظروف التعويضات , فانها بعيدة عن الآليات القضائية او التوفيقية وانما تتسم بطابع سياسي وأداري حرم فيها العراق من أبداء دفوعة القانونية عن صحة المطالب وأحقيتها .

قبل ان نعرض ما ورد في قرارات مجلس الأمن من نصوص , بغرض تعويضات على العراق بمعاملته دولة مهزومة عسكرياً لا سابقة لها في القانون الدولي النافذ بعد الحرب العالمية الثانية . يستحسن ان نعرض بعض الآراء القانونية الدولية حول مسابقة فرض تعويضات بقرارات مجلس الأمن عن العراق . ونورد ثلاثة آراء على سبيل المثال :

الرأي الأول : ما قاله الفقيه الجزائري الدكتور محمد بجاوي العضو والرئيس الأسبق لمحكمة العدل الدولية , الذي قال في ندوة عقدت في فرنسا عن الجوانب القانونية لحرب الخليج عام 1991 ما خلاصته :

أعالج الان مسالة التعويضات وأقول كلمتين : ان العراق اضطر لقبول اقسى مطالب المنتصرين . ان القرار شرح وجود تفصيلاً من السيد زاكلين , ان العراق قبل هذا القرار بارتياح من المنتصرين . ان معاهدة فرساي عندما فرضت على ألمانيا المنهزمة تعويضات ضخمة ارتفعت أصوات عديدة لانتقاد هذه الأحكام الجائرة للإشارة الى مأزق ألمانيا     .

ان الاقتصادي البريطاني المشهور جون ماينار اعتبر ان من العبث ألزام بلد بدين مفرط وحرمانه من وسائل أعادة اقتصاده المنهار . ان نتيجة هذه السياسة لم تتأخر عن الظهور , اذ ان تدهور الأوضاع المالية الألمانية قد حث على توقف تسديد التعويضات وإلغائها في تموز 1932 . والنتيجة الأخرى تمثلت في صعود النازية التي غزيت من عدم رضا الألمان , لنكن حذرين من السوابق المماثلة ولنوضح أهداف التعويضات , أهي تعويض ما تم تخريبه او تدمير الطاقة الاقتصادية للمتهزم ؟ لان المعاهدات الجائرة من نموذج فرساي وغيره وقرارات مجلس الأمن يخشى ان تزرع بذور الحرب المقبلة في الوقت الذي نعتقد بأننا نقيم سلاماً أبديا .

ان حرب الخليج التي انتهت يجب الا تكون حاملا لحرب أخرى . ان المعاهدة الأكثر دواماً والأكثر عدالة هي بمفهومي التي يسمح فيها المتهزم ايضاً . اذا كانت الحرب هي حرب قانون فمن الملائم ان تقود الى سلام قائم على القانون . لقد اقترحت اليوم خطة مبنية على استقطاع 30% من صادرات النفط العراقي , ما يشكل مصاجرة إلزامية , وان ذلك يطرح العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية .

والرأي الثاني : حيث تقدم الدكتور عبد الأمير الانباري بورقة عن التعويضات الى ندوة مركز دراسات معينة عن احتلال العراق وتداعياته التي عقدت في آذار 2004 أكد فيها الطبيعة السياسية للتعويضات وجاء فيها :

ان اعتبار العراق مسئولا عن الخسائر المباشرة التي أعقبت دخوله الة الكويت , ورد بناء على قرار سياسي صادر عن محكمة العدل الدولية او جهة تحكيمية موضوعية ومحايدة ومتفق عليها من قبل الأطراف المعنية .

كما ان مجلس الأمن وهو ليس جهة قضائية مختصة . قد فرض على العراق دفع التعويضات كما تقررها لجنة التعويضات المنبثقة عن مجلس الأمن كجهاز فرعي مرتبط بالمجلس والمؤلفة من دول الأعضاء فيه والمفوضية ببحث طلبات التعويضات عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالحكومات والمؤسسات كنتيجة مباشرة لدخول العراق واحتلاله للكويت . لذا فان كل قرارات لجنة التعويضات وإجراءاتها هي من حيث الجوهر سياسية وتخضع من حيث تنفيذها ابتداء واستمرار العمل فيها او تعديلها او إيقافها او إلغاؤها الى قرارات مجلس الأمن من الناحية الشكلية والموضوعية ومصالح وأهداف الدول الأعضاء من الناحية العملية والواقعية .

الرأي الثالث : الذي عبر عنه الدكتور هانز فون سبوتيك في كتابه الأخير حيث كتب قائلاً : منذ ان أخذت لجنة التعويضات تعمل بطاقتها الكاملة في كانون الأول 1996 في وقت متزامن مع بدء برنامج النفط مقابل الغذاء , الى ان بدأت الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق سنة 2003 , نادرا ما كانت تصدر وثائق عامة , باستثناء النشرات الصحافية الدورية . كانت النشرات الصحافية تحدد المدفوعات الإجمالية , ولكن لم يكشف عن تفاصيل هذه المدفوعات بالضبط , لان بعضها كما سأعرض , لو عرف الرأي العام والحكومات غير الممثلة في اللجنة بتفاصيل المطالبات لأحتد الغضب بشان مضمون المدفوعات وتوقيتها , ولبذلت الجهود لأبطال العديد من المطالبات , وتجميد مدفوعات اخرى وتغيير ( صيغة 30%) في وقت مبكر .

لقد حال الصمت المطبق للجنة التعويضات ومجلس الأمن الذي منحها سلطه مطلقة من دون أجراء هذا النوع من التحليل الذي كان يمكن ان يسلط الضوء على هذا المكون من مكونات آلية العقوبات المفروضة على العراق . يقير ذلك مجموعة من الأسئلة الأساسية : لماذا اختط مجلس الأمن في حالة العراق سابقة لطرق جديدة في التعامل مع التعويضات الدولية في سياق عقوبات اقتصادية شاملة ؟ لماذا بينت عملية المطالبات بالشكل الذي بينت عليه من دون توفير دفاع قانوني للدولة المتهمة ؟ لماذا لم تترك التعويضات لتحل في مفاوضات ثنائية ؟ لماذا نفذت مدفوعات المطالبات للشركات والحكومات في وقت كان الشعب العراقي الذي يكابد المعانات وبأمس الحاجة الى الأموال ؟ ولماذا لم يمارس مجلس الأمن مهمته الرقابية مثلما فعل في حالة برنامج النفط مقابل الغذاء ؟ لماذا لم تعترض الحكومات الفردية الممثلة في مجلس الأمن ولجنة التعويضات وترفع اعتراضاتها الى الرأي العام ؟ ولماذا لم يعد الأمينان العامان للأمم المتحدة بطرس غالي وكوفي انان , اللذان اقرا بعدم دقة توقع سلفهما دي كويلار المتعلق بالدخل الوطني العراقي , الى المراجعة الفورية لمستوى مدفوعات التعويضات ؟ وأخيرا لماذا قررت الأمانة العامة للأمم المتحدة , المطلعة على كل تفاصيل التعويضات , ان تبقى صامتة ؟ .

كان يجب بحث هذه الأسئلة والإجابة عنها في مجلس الأمن , ويتحمل الأمين العام مسؤولية الضغط للحصول على هذه الإجابات باسم حماية الشعب العراقي , اذ لم يكن لسبب أخر . وستكون الإجابات على هذه الأسئلة ضرورية لتحديد دور مجلس الأمن مقابل محكمة العدل الدولية في برامج التعويضات في المستقبل . ويجب أيجاد طرق لمنع تحكم بلدان منفردة أعضاء في مجلس الأمن بتحديد السياسة المستقبلية . ومثلما يوجد ألان أقرار بالحاجة الى ” عقوبات ذكية ” يجب ان يكون هناك استدلال على وجود ” تعويضات ذكية “.

 

 

 

 

 

التعليقات معطلة.