التشافي بالكتابة

5




عبد الرحمن النقبي

قرأتُ، وسمعتُ، أكثر من مرة أن الكتابة تساعد الإنسان على التحرر من الضغوط، وتُخفّف من وطأة المنغصات، وتعيد ترتيب الأفكار حين تتكدّس في الزاوية المعتمة من العقل، حتى كدت أحفظ هذه المقولة من كثرة ما تتكرر، غير أنني، وعلى الرغم من كل ما قرأته، كنت أظن في قرارة نفسي أن في الأمر شيئًا من المبالغة، أو لعله لا يتجاوز كونه وسيلة مؤقتة لتسكين القلق، سرعان ما تتلاشى فاعليتها مع أول مواجهة جديدة للحياة، إلى أن جاء يومٌ شعرت فيه بثقل لا أعرف مصدره، وبتلك الغصة غير المسماة التي تجعل الروح تمشي متعبة وإن بدا الجسد نشطًا، فقلت لنفسي، بهدوء المجرّب الذي لا ينتظر شيئًا: لم لا أجرّب؟

جلست وحدي، دون ضجيج، وأمسكت ورقة وقلمًا، بلا نية واضحة، ولا فكرة مسبقة، فقط أردت أن أتحقق من تلك الفكرة التي كثيرًا ما سمعتها، وأتتني الكلمات مترددة أولًا، ثم أخذت تتوالى واحدة تلو الأخرى، كأنها كانت محبوسة منذ زمن، ولم أكتب حينها شكوى مدروسة، ولا اعترافًا صريحًا، بل كتبت ما شعرت به دون أن أكلّف نفسي ترتيبًا أو تبريرًا، أمسكت بالقلم، وكتبت ما فيّ كما هو، مشوشًا ولكن صادقًا، وكلما مضيت في السطر، خفَّ شيء ما بداخلي، وتسلّل شعور غريب يشبه الوضوح الصامت، ذاك الذي يأتيك حين تزيح عن القلب ستارة سوداء فيتسلل منها النور. كتبت حتى بدا لي أن داخلي قد هدأ، ليس لأن الأمور اتضحت، بل لأنني أخيرًا سمعت نفسي.

منذ تلك اللحظة، أدركت أن الكتابة، حين تُكتب من الداخل، ليست فعلًا يخص المثقفين أو الكتّاب، وليست رفاهية أو هواية، بل هي مساحة حقيقية للاتصال بالنفس حين تغيب، وساحة نزيهة لمصارحةٍ لا نحتاج فيها إلى أن نبدو بخير، وقد أدهشني لاحقًا أن ما اكتشفته وحدي، في غرفتي الصغيرة، قد وثّقه علماء النفس في دراسات مطوّلة وتجارب متكررة، كان من أبرزها ما قدّمه الباحث الأميركي جيمس بينيبايكر، الذي أثبت أن الكتابة التعبيرية اليومية، حتى وإن اقتصرت على ربع ساعة، تُخفّف القلق وتُعيد التوازن إلى النفس، وتُساعد حتى في تحسين مناعة الجسد، وكأنّ البوح حين يُسطَّر على الورق، لا يُريح العقل فحسب، بل يشفي البدن أيضًا.

بل إن دراسة حديثة نُشرت في المجلة الأمريكية لعلم النفس السريري، راجعت ما يزيد عن مئة تجربة علمية، لتخرج بنتيجة مفادها أن الذين يكتبون عن أنفسهم ومشاعرهم المؤلمة بانتظام، يملكون قدرة أعلى على مواجهة ضغوط الحياة، ويميلون إلى الاستقرار النفسي بشكل أكثر ثباتًا من أولئك الذين يفرّون من الكتابة كما يفرّ الجسد من مرآته حين لا يريد أن يرى ما أصابه.

وليس أجمل من أن تعرف أن الكتابة لا تشترط منك موهبة، ولا أسلوبًا بليغًا، ولا نيّة للنشر أو المشاركة، يكفي أن تكون صادقًا مع نفسك، وتمنحها وقتًا لتصغي إليها، دون تصنع أو خجل، وأن تكتب، لا لتصوغ جملة لافتة، بل لتلتقط ما في داخلك وتضعه أمامك، كما هو، بلا تزيين ولا حذف، فربما تبدأ بجملة مترددة مثل “لا أعرف ما بي اليوم”، ثم تجد نفسك بعد سطرين قد كتبت شيئًا يشبه الاعتراف، وربما لا تبدأ بجملة أصلًا، بل بكلمة واحدة، أو تنهيدة مشفّرة، تكفي لأن تفتح الباب لما بعد الصمت.

وما زلت أذكر حين قرأت ما كتبه فرانز كافكا في إحدى رسائله، بأن الكتابة بالنسبة له كانت الوسيلة الوحيدة التي أنقذته من اختناقه الداخلي، وأنه لم يكن يكتب لأنه يريد ذلك، بل لأنه لم يكن يحتمل السكوت أكثر، وكأن الكتابة، في معناها الأعمق، لم تكن عنده أداة تعبير، بل وسيلة بقاء، ثم تتردد في بالي كلمات كارل يونغ، حين قال إن الكتابة تساعدنا على الوصول إلى ما يدور في لاوعينا أكثر مما نظن، ولعل هذا ما يحدث فعلًا حين نكتب بلا وعيٍ متعمد، فنكتشف فينا ما لم نكن نعلم أنه هناك.

في نهاية كل ورقة، قد لا تحلّ الحياة ألغازها، لكنك تشعر بأنك أكثر اتساقًا معها، وأن الشيء الذي كان يضغط على روحك قد اتخذ حجمًا طبيعيًا لا يخيف، وأن الجبل الذي ظننته في صدرك لم يكن سوى ظل فكرة منسية، نكتب لنخفّ، لا لنشرح، نكتب لنفهم، لا لنقنع أحدًا، نكتب لنمشي خطوة واحدة إلى الوراء فنرى أنفسنا كما نحن، لا كما يخبرنا الخوف.

وليس ضروريًا أن تكتب كل يوم، ولا أن تكون الأوراق مملوءة بالحِكم، يكفي أنك حين تضيق، وحين يخذلك الكلام، تجد على الورق مستمعًا لا يقاطعك، ولا يحكم عليك، ولا يستعجلك، فقط يجلس معك كما تفعل الطمأنينة حين تجد لها مكانًا أخيرًا في يومك.

ولهذا، كلما أثقلت روحك فكرة، أو أرّقك شعور لا تعرف له اسمًا، لا تتركه يتجوّل في صدرك كما يشاء، ولا تنتظر أن يتبخّر وحده مع الوقت، بل اجلس، وامسك قلمًا، واكتب. ربما، كان كل ما تحتاجه في تلك اللحظة، ليس حلاً، ولا أحدًا، بل مجرد ورقة تسمعك.

التعليقات معطلة.