الجزء الثالث
من الدور الوظيفي إلى المشروع التوسعي
لم يبدأ الصدام بين إيران والغرب فجأة، ولم يكن نتيجة خلاف سياسي عابر أو توتر مرحلي، بل جاء حصيلة تحول تدريجي في طبيعة النظام الإيراني ودوره في المعادلة الدولية. فالنظام الذي نشأ عام 1979 ضمن توازنات الحرب الباردة، وأُنيط به دور محدد في ضبط التوازن الإقليمي، لم يلبث أن أعاد تعريف موقعه ووظيفته بصورة تجاوزت الإطار الذي نشأ ضمنه.
وهنا بدأت مرحلة جديدة، انتقل فيها النظام الإيراني من موقع “الدور الوظيفي” إلى مشروع إقليمي مستقل يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
نهاية الحرب الباردة وبداية الطموح الجديد
مع انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، اختفى التهديد الذي شكّل أحد أهم أسباب القبول الدولي بالنظام الإيراني في بداياته. ومع غياب المنافس العالمي للولايات المتحدة، دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية، وتغيرت قواعد اللعبة الدولية.
في هذا الفراغ الاستراتيجي، بدأت طهران تنظر إلى نفسها بوصفها قوة إقليمية صاعدة، لا مجرد طرف في معادلة توازن، بل لاعبا قادرا على صياغة واقع سياسي جديد يتجاوز حدود الدولة الوطنية.
تحول التفكير الاستراتيجي الإيراني من الدفاع عن النظام إلى توسيع النفوذ، ومن حماية الثورة إلى تصديرها.
بناء النفوذ خارج الحدود
اعتمدت إيران في هذا التحول على استراتيجية متعددة الأدوات، تقوم على توسيع حضورها السياسي والعسكري خارج حدودها الجغرافية، وبناء شبكة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة.
هذه الاستراتيجية لم تكن مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل نموذجًا جديد
ا لإدارة النفوذ يقوم على:
دعم قوى محلية حليفة.
بناء أذرع مسلحة عابرة للحدود.
الاستثمار في الصراعات الإقليمية.
توظيف الخطاب الأيديولوجي في تشكيل بيئات نفوذ طويلة الأمد.
وبذلك لم يعد النفوذ الإيراني مرتبطا بحدود الدولة، بل أصبح شبكة تأثير تمتد عبر جغرافيا المنطقة.
القوة الصلبة إلى جانب العقيدة
الميزة الأساسية في المشروع الإيراني لم تكن في بعده الأيديولوجي وحده، بل في اقتران العقيدة بالقوة الصلبة. فقد عملت طهران على تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز أدوات الردع وبناء منظومات تأثير قادرة على فرض وقائع سياسية وأمنية على الأرض.
هذا المزج بين الأيديولوجيا والسلاح منح المشروع الإيراني قدرة على الاستمرار والتوسع، لكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف متزايدة لدى القوى الإقليمية والدولية التي رأت فيه تهديدا مباشرا لتوازنات المنطقة.
وهنا بدأت صورة النظام الإيراني تتغير في نظر خصومه: من نظام يمكن احتواؤه إلى قوة تسعى لتغيير قواعد اللعبة.
تجاوز معادلة 1979
مع مرور الوقت، أصبح واضحا أن إيران لم تعد ملتزمة بالحدود التي قامت عليها معادلة نشأتها. فبدل أن تكون عنصر استقرار نسبي في التوازن الإقليمي، تحولت في نظر خصومها ، إلى عامل ضغط دائم على النظام الدولي القائم.
لقد تغيرت وظيفة النظام من ضبط التوازن إلى تحديه، ومن العمل ضمن المعادلة الدولية إلى محاولة إعادة صياغتها.
وهنا بدأ الصدام يأخذ طابعا بنيويا، لا يمكن احتواؤه عبر التفاهمات المؤقتة أو التسويات الجزئية.
لحظة التحول الكبرى
كان هذا التحول هو اللحظة الفاصلة التي مهدت للوصول إلى المرحلة الراهنة. فالتناقض بين نظام يسعى إلى توسيع نفوذه ومشروع دولي يسعى إلى الحفاظ على توازناته، أنتج مسارا تصاعديا من التوتر، انتهى إلى مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومع تعاظم النفوذ الإيراني، وتزايد أدوات قوته، أصبح احتواء هذا المشروع أكثر صعوبة، ما دفع القوى الكبرى إلى إعادة تقييم استراتيجيتها تجاه طهران .
إن فهم التحول الذي شهده النظام الإيراني بعد نشأته يكشف أن الأزمة الحالية ليست نتاج سوء تفاهم سياسي، بل نتيجة مسار طويل من التغير في الدور والوظيفة والطموح. فحين يتحول الدور إلى مشروع، والتوازن إلى تحدٍ، يصبح الصدام نتيجة طبيعية لمسار التاريخ .
تابعونا غدا في الجزء الرابع : لماذا ترى واشنطن أن المواجهة ضرورة استراتيجية؟

