العنوان أعلاه ليس من عند الكاتب وإنما هو من قريحة الكاتب الإسرائيلى «جيرشون باسكين» الذى سخّر حياته بحثًا عن السلام الفلسطينى- الإسرائيلى. هو لا يكف عن الكتابة فى الصحافة الإسرائيلية التى تقبل كتاباته مثل «هآرتس» و«جيروزاليم بوست» فضلًا عن الصحف الدولية التى تشاطره حلم السلام فى المنطقة؛ وفى أوقات قام بمهام الوساطة بين العرب والإسرائيليين، ويُذكر دوره فى إطلاق مئات من الأسرى الفلسطينيين مقابل جندى وحيد «جلعاد شاليط». هو أيضًا لا يكف عن إرسال المقالات التى تشرح خطوات السلام الذى يحافظ على كلا الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى. تحت هذا العنوان (الذى يكتبه بالعبرية والعربية والإنجليزية) جاء المقال التالى:
ما يجب أن يفهمه الشعبان (الفلسطينى والإسرائيلى) أن الطرف الآخر لن يختفى لا بالحرب ولا بالإرهاب ولا بالاحتلال ولا بالضم ولا بالمستوطنات ولا بالصواريخ ولا بالتجويع ولا بالشعارات ولا بالدعاء بزوال الآخر. اليوم يعيش بين النهر والبحر عدد متقارب من اليهود والفلسطينيين. لا هذا الشعب سيرحل، ولا ذاك الشعب سيختفى. ولا يستطيع أى منهما القضاء على الهوية الوطنية للطرف الآخر. نحن مرتبطون ببعضنا البعض بالجغرافيا، والتاريخ، والدين، والذاكرة، والصدمات، والدم. والسؤال ليس ما إذا كنا سنعيش معًا على هذه الأرض، بل السؤال الحقيقى الوحيد هو: هل سنستمر فى الموت معًا من أجلها؟ على مدى عقود، غذّت الحركتان الوطنيتان نفسيهما بالأوهام. لقد تربى الفلسطينيون على فكرة أن الكفاح المسلح سيحرر فلسطين كاملة فى نهاية المطاف. وتربى الإسرائيليون على فكرة أن التفوق العسكرى قادر على قمع الطموحات الوطنية الفلسطينية إلى الأبد. وقد فشلت الفكرتان فشلًا ذريعًا.
كان ينبغى للسابع من أكتوبر، والحرب التى تلته، أن يدفنا هذه الأوهام إلى الأبد، فحماس لم تحرر فلسطين، بل جلبت دمارًا لا يُوصف على غزة، وعمقت الصدمة لدى الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. وإسرائيل لم تنجح رغم القوة العسكرية الهائلة، فى القضاء على الوطنية الفلسطينية. فبعد عشرات آلاف القتلى، وأحياء كاملة مُسحت من الوجود، وأجيال كاملة تعيش تحت وطأة الصدمة، مازال الشعب الفلسطينى موجودًا، يطالب بالحرية والكرامة والدولة. الدرس يجب أن يكون واضحًا: العنف يستطيع قتل البشر، لكنه لا يستطيع قتل الهوية الوطنية.
لايزال عدد كبير جدًا من القادة على الجانبين أسرى شعارات لم تعد تمت للواقع بصلة. فمن الجانب الفلسطينى، لايزال هناك من يتحدث وكأن اليهود مجرد مستعمرين غرباء لا علاقة شرعية لهم بهذه الأرض. ومن الجانب الإسرائيلى، هناك وزراء وحاخامات يتحدثون علنًا عن طرد الفلسطينيين والسيطرة الدائمة على كامل الأرض. كلا المعسكرين منفصل عن الواقع، وكلاهما يقود شعبه نحو كارثة لا نهاية لها. أصعب حقيقة يجب على الفلسطينيين مواجهتها هى أن إسرائيل ليست ظاهرة مؤقتة، إنها مجتمع متجذر يضم ملايين البشر الذين وُلدوا هناك، وبنوا حياتهم هناك، ودفنوا آباءهم هناك، ولا مكان آخر يذهبون إليه. وأصعب حقيقة يجب على الإسرائيليين مواجهتها هى أن الفلسطينيين ليسوا مشكلة ديموغرافية يمكن إدارتها أو التخلص منها، بل هم شعب يمتلك حقوقًا وطنية، وذاكرة جماعية، وارتباطًا عميقًا بأرضه ووطنه. المستقبل لن يكون لأولئك الذين يحلمون بالملكية الحصرية للأرض، بل لأولئك الذين يدركون أن شعبين قد كُتب لهما أن يقتسما هذه الأرض.
بالنسبة لى مازلت أرى أن الحل هو دولتان لشعبين. ليس لأنه حل مثالى، بل لكل البدائل الأخرى التى تقود إما إلى حرب دائمة، أو إلى واقع شبيه بالفصل العنصرى، أو إلى التطهير العرقى، أو إلى تدمير التطلعات الوطنية لأحد الشعبين على يد الآخر. ولا واحد من هذه الخيارات أخلاقى أو قابل للاستمرار أو واقعى. لكن إذا كان لقيام دولتين أن يصبح يومًا ممكنًا، فلابد أولًا من حدوث أمر أكثر أهمية على الشعبين أن يتخليا عن فكرة أن العدالة لا تتحقق إلا من خلال هزيمة الطرف الآخر وإذلاله. السلام يتطلب من الفلسطينيين التخلى عن وهم تدمير إسرائيل؛ كما يتطلب من الإسرائيليين التخلى عن وهم السيطرة الدائمة على الفلسطينيين. والسلام يحتاج إلى شجاعة أخلاقية أكبر بكثير من تلك المطلوبة للحرب؛ كما أنه يتطلب قيادة جديدة تتحدث بصدق مع شعوبها بدل أن تغذيهم بالأكاذيب المريحة. قيادة تعد المجتمعين نفسيًا للتسوية، بدل تعبئتها الدائمة ضد أعداء أبديين. والمجتمع الدولى أيضًا مطالب بالتوقف عن تغذية الأوهام؛ فالتصريحات الفارغة، والغضب الانتقائى، والدبلوماسية الاستعراضية، والإدارة اللانهائية للصراع، كلها فشلت. وعلى العالم أن يتوقف عن تمويل استمرار الصراع، وأن يبدأ بالاستثمار الجدى فى إنهائه.
ونعم يجب أن تكون هناك مساءلة عن الجرائم التى ارتكبتها جميع الأطراف؛ لكن المساءلة من دون أفق سياسى تتحول ببساطة إلى سلاح إضافى فى استمرار الصراع. ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الانتقام، بل خيالًا سياسيًا يستند إلى الواقع. والواقع بسيط: لا أحد الشعبين سيختفى أو يرحل. لقد حان الوقت لأن نتوقف عن تعليم أطفالنا أن أسمى أشكال الوطنية هو الموت من أجل الأرض. إن أسمى أشكال الوطنية يجب أن يكون بناء مستقبل يستطيع فيه أطفال الجانبين أن يعيشوا حياة طبيعية، من دون خوف، ومن دون كراهية، ومن دون حروب لا تنتهى. هذا لن يتحقق عبر النصر العسكرى، بل سيتحقق فقط عندما يفهم الشعبان أخيرًا أن حريتهما، وأمنهما، ومستقبلهما، مترابط بشكل لا يمكن فصله.

