بغداد تقطع شريان التمويل التاريخي من مصفى بيجي!
بغداد/ تميم الحسن
يُفترض أن تبدأ اليوم الاثنين رسمياً عمليات نزع سلاح خمسة فصائل مسلحة – حتى لحظة صياغة هذا التقرير – في محاولة أخيرة لإنهاء “الفيتو الأميركي” الذي شل استكمال التشكيلة الوزارية.
وبالتوازي مع هذا الحراك الأمني المعقد، بدأت بغداد باصطياد “حيتان الفساد”، والتي يُعتقد بأنها إجراء ضمن “الشروط الأميركية”، خصوصاً أن المتهمين متورطون بـ”تهريب النفط” و”تمويل الجماعات المسلحة”.
وهذه الإجراءات الصارمة كانت “المدى” قد كشفت عنها في سلسلة تقارير سابقة تزامنت مع تسلّم علي الزيدي سدة السلطة منتصف أيار الماضي، متعهداً بحصر السلاح بيد الدولة.
وتشير المعطيات الميدانية وتصريحات رئيس الحكومة إلى أن “سرايا السلام”، الجناح العسكري لزعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، قد بدأت بالفعل أمس الأحد عمليات تسليم أسلحتها.
وترجّح مصادر سياسية أن تبدأ الفصائل الخمسة الأخرى خطوات مماثلة تباعاً اعتباراً من اليوم الاثنين.
وكان الزيدي قد كشف في لقاء مع إعلاميين في القصر الحكومي مساء السبت الماضي عن ملامح هذا الترتيب قائلاً: “وضعنا آلية لتسليم السلاح من الفصائل، وسنبدأ غداً (أمس الأحد) بتسلم سلاح سرايا السلام”، مكملاً بالقول: “إن عصائب أهل الحق سيبدأون بتسليم السلاح إلى الدولة بعد غد (اليوم الاثنين).
وكانت واشنطن قد ركّزت ضغوطها على الفصائل المتهمة باستهداف مصالحها وقواعدها في العراق عبر الصواريخ والمسيّرات تحت لافتة “المقاومة الإسلامية”، ما دفعها الشهر الماضي إلى إيقاف إكمال الكابينة الوزارية ورفض منح أي حقائب لأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة.
وهذا الضغط هو ما دفع تلك الجماعات إلى إعلان استعدادها اللين لنزع السلاح طمعاً في المقاعد الوزارية، وسط تقديرات سياسية تشير إلى أن ما يجري قد لا يتعدى “الإجراء المؤقت” لحين اكتمال الحكومة، تماشياً مع خطة “التغلغل الهادئ” التي وضعها قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني خلال زيارته إلى بغداد في نيسان الماضي، والهادفة إلى إعادة تموضع الفصائل شكلياً داخل مؤسسات الدولة عبر شخصيات غير مكشوفة.
غضب في طهران: “سلاح المهدي” ليس للتسليم
على الجانب الآخر، لا يبدو أن مسار التنازلات يمر بسلاسة في قنوات المحور الإقليمي، إذ ترى طهران، الداعمة الأبرز للمنظومة المسلحة، أن خطوة الفصائل الخمسة تندرج في إطار الموافقة على “شروط الشيطان”، بحسب ما نقلته مصادر قريبة من تلك الأجواء.
وتضم جبهة المستعدين لإلقاء السلاح كلاً من: «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، ومنظمة «بدر» بقيادة هادي العامري، و«كتائب سيد الشهداء»، و«ثأر الله»، و«كتائب الإمام علي».
وفي هذا السياق، كشف مسؤول في أحد الفصائل لـ«المدى»، طالباً عدم ذكر اسمه، عن وجود رسالة متداولة (دون تأكيد رسمي إيراني) يُعتقد أنها صادرة عن المرشد ونُقلت عبر إسماعيل قاآني، وجّه فيها انتقادات لاذعة لموقف “الفصائل الخمسة”.
وبحسب المسؤول، فإن الرسالة حملت لغة استغراب حادة من قيام الفصائل بتسليم “سلاح لا تملكه أصلاً”، مشددة على أن طهران هي من سلّحت هذه الفصائل ودعمتها، وأن هذا السلاح “هو ملك للإمام المهدي ولا يمكن تسليمه”.
وخلصت الرسالة بلهجة قاسية إلى اعتبار تسليم السلاح دليلاً على أن هذه الفصائل “تملصت من العهود ووافقت على شروط الشيطان”.
كيف وصلت الفصائل إلى نقطة تسليم السلاح؟
يرى عضو تيار الحكمة، رحيم العبودي، أن قوى الإطار التنسيقي باتت تفهم بوضوح أن المعادلة القادمة يجب أن تُصاغ بعيداً عن النفوذ الإيراني وبعيداً عن “سلاح المقاومة”، وهو المسار الذي طالبت به المرجعية الدينية العليا مبكراً في تشرين الأول 2024 حين شددت على حصر السلاح ومكافحة الفساد.
وكانت القوى الشيعية قد حاولت طويلاً نفي وجود فصائل حزبية مسلحة، متمسكة بالرواية التي سادت بعد 2017 وقبل الانتخابات، إذ كان قيس الخزعلي قد أعلن في منتصف كانون الأول 2017 وضع مقاتليه تحت إمرة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي والاكتفاء بالعمل السياسي.
لكن هذا المسار شهد انقلاباً في القراءات، حيث حذر عمار الحكيم نهاية عام 2024، عقب فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، من احتمالية تعرض الجماعات الحاملة للسلاح (والتي يُفترض أنها سلّمت قبل 7 سنوات) لضربات عسكرية مباشرة.
وتستحضر الذاكرة الشيعية تجربة الولاية الأولى لترامب، والتي شهدت تشكيل ما يعرف الآن بـ”المقاومة الإسلامية العراقية” رداً على اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد أبو مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني مطلع عام 2020.
ورغم نجاح رئيس الحكومة السابق محمد السوداني في الحفاظ على هدنة طويلة نسبياً – تخللتها خروقات في حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل – وإعلانه في منتصف 2025 فتح حوار سياسي مع الفصائل، إلا أن تلك الحوارات تكسّرت تحت سقف الشروط المرتفعة للفصائل التي طالبت بحصص في السلك الدبلوماسي والمناصب الحساسة.
ومع مطلع عام 2026، تبدلت المواقف تدريجياً بإعلان قيس الخزعلي، وأبو آلاء الولائي، وحيدر الغراوي (أنصار الله الأوفياء)، وشبل الزيدي (كتائب الإمام علي) الاستعداد لنزع السلاح، بالتزامن مع مبادرة الصدر بفك ارتباط “سرايا السلام”، والتي حظيت بترحيب حكومي فوري ودعوة البقية إلى أخذ المسار ذاته.
ممانعة “الكتائب” وسخرية العساف
في مقابل جبهة الامتثال، تبرز “كتائب حزب الله” كعقبة رئيسية برفضها القاطع للتخلي عن ترسانتها. وأصدر المسؤول الأمني في الكتائب، أبو مجاهد العساف، السبت الماضي بياناً حمل نبرة تحدٍ واضحة قائلاً: “نذكّر بأن العمل الجهادي اليوم هو واجب كفائي، وسنؤديه نيابة عن الإخوة الذين قرروا تركه”.
وفي خطوة حملت أبعاد السخرية السياسية من الأجهزة الأمنية النظامية، أضاف العساف: “إننا مستعدون للتعاون وأخذ دور بنّاء لتقديم بعض التسهيلات والإرشادات، ومنها الإشراف على جرد الأسلحة ونقلها وخزنها بطريقة آمنة”، معلناً استعداد الكتائب لشراء تلك الأسلحة.
كما أبدى الرغبة في “استلام بعض الأسلحة الخاصة التي لا يوجد لها مختصون في أجهزة الدولة، مثل الطائرات المسيّرة والانتحارية، والصواريخ الجوّالة، والمضادة للدروع وغيرها”.
حلف “الـ90 يوماً”
يرتبط التفاهم الحالي بين الزيدي والصدر ببدء مهلة الـ90 يوم الأولى من عمر الحكومة، إذ اشترط زعيم التيار الصدري قبل شهر دعم رئيس الوزراء مقابل “تفكيك الفصائل” و”فتح ملفات الفساد الكبرى” خلال الفترة الممنوحة.
ويبدو أن الاعتقال المدوي الذي نفذته السلطات ضد مسؤول رفيع في وزارة النفط يمثل التدشين الفعلي لهذا البرنامج.
وتشير التسريبات السياسية المتقاطعة إلى وجود ضغوط هائلة تُمارس على الزيدي لإطلاق سراح عدنان الجميلي، وكيل وزير النفط والمسؤول السابق لمصفى بيجي، والذي اعتُقل السبت الماضي.
ووفقاً لما تسرب من لقاء الزيدي بالإعلاميين في بغداد، فإن الجميلي عرض رشوة خيالية بلغت “200 مليون دولار” مقابل غض النظر عن اعتقاله.
ويوم السبت الماضي، وجه رئيس الوزراء علي الزيدي بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام.
وترجح الأوساط أن تكون عملية الإطاحة بالجميلي قد تمت بأوامر وضغوط أميركية مباشرة، على خلفية تورطه في الملف المشبوه لسرقة مصفى بيجي قبل 10 سنوات، وإدارة شبكات تهريب النفط لصالح فصائل مسلحة حليفة لطهران.
وهذا الملف قد يتسع ليشمل، بحسب تحذيرات واشنطن، إقصاء نحو 3 آلاف موظف من أصحاب “الدرجات الخاصة” المرتبطين بالمنظومة المسلحة خارج هيكلية الدولة، وفق ما كشفته (المدى) الأسبوع الماضي.

