عُرف الاقتصاد المغربي بثلاثة روافد رئيسة، هي الفوسفات، والزراعة، والسياحة. هذه الروافد بطبيعتها عرضة لتقلبات الطقس وأسعار السلع الأساسية وحركة السياحة العالمية، وهو ما قلل من مرونة الاقتصاد المغربي لسنين طوال. ومنذ بداية الألفية حاول المغرب بناء أسس لتحول اقتصاده، إلا أن عام 2021 شهد الانطلاقة الفعلية لما سُمي بـ«النموذج التنموي الجديد» على أعقاب خطابين لملك المغرب عامَي 2017 و2018. وقد قام هذا النموذج على عدة محاور، منها تحويل الاقتصاد وخلق القيمة، ورأس المال البشري، والتنمية الترابية والاستدامة. وبعد خمس سنوات من هذه الانطلاقة، يبدو أن الاقتصاد المغربي بدأ في حصاد هذا التحول، لا سيما بعد أن تصدر المغرب مؤشر التنمية الصناعية للبنك الأفريقي لعام 2025، متجاوزاً جنوب أفريقيا التي ظلت لعقود طويلة الدولة الصناعية الأولى في القارة.
قطاع السيارات هو القطاع الأبرز في هذا التحول؛ فقد غدت صناعة السيارات أكبر قطاع تصديري في البلاد، وبدأت قصته مع استقطاب كبريات الشركات العالمية، وفي مقدمتها «رينو» التي افتتحت عام 2012 أكبر مصنع للسيارات في أفريقيا بمدينة طنجة، ولحقت بها مجموعة «ستيلانتيس» التي تضم كلاً من «جيب» و«دودج» و«بيجو»، وغيرها من السيارات. وقد أنتج مصنع «رينو» وحده في أحد الأعوام أكثر من 400 ألف سيارة، صُدّر 90 في المائة منها إلى أكثر من 70 دولة، وتحولت المناطق الصناعية المحيطة بمصانع السيارات إلى منظومة متكاملة تضم عشرات الموردين العالميين لمكونات السيارات. وقد نجح المغرب في جذب أكثر من 170 شركة موردة، من بينها شركات يابانية وأميركية وألمانية متخصصة في الأسلاك الكهربائية والمكونات الدقيقة والتجهيزات الداخلية، كما أنشأ مراكز تدريب متخصصة لتأهيل العمالة الوطنية وفق المعايير الدولية لخدمة أحد محاور النموذج التنموي، وهو ما وفّر للشركات قوة عاملة ماهرة أقل تكلفة من مثيلتها الأوروبية.
وفي الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 زادت صادرات قطاع السيارات في المغرب على 58 مليار درهم مغربي (نحو 6.2 مليار دولار)، بزيادة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في حين ارتفعت صادرات أنشطة التصنيع المرتبطة بالقطاع بنسبة تجاوزت 33 في المائة، وانتقل الثقل التصديري للبلاد من الموارد الطبيعية كالفوسفات إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العليا.
وبعد أن استفاد المغرب من القدرات والخبرات الصناعية المتراكمة في قطاع السيارات، بدأت البلاد تتجه نحو قطاعات تقنية أكثر تقدماً، وفي مقدمتها صناعة الطيران التي تتطلب مهارات هندسية مشابهة لما يتطلبه قطاع السيارات، فاستطاعت الحكومة المغربية جذب شركات عالمية مثل «بوينغ» و«سافران» و«إيتون» و«بومباردييه»، ويضم قطاع الطيران المغربي اليوم أكثر من 145 شركة يعمل فيها أكثر من 25 ألف موظف، وارتفعت صادرات القطاع لتصل إلى 29 مليار درهم مغربي (نحو 3.2 مليار دولار) بارتفاع سنوي وصل إلى 10 في المائة، مما جعل المغرب المنصة الأفريقية الكبرى في صناعة الطيران.
كما اتجه المغرب شرقاً إلى الصين، وأسفر ذلك عن إنشاء شركة «غوشن هاي تك» الصينية أول مصنع ضخم للبطاريات في أفريقيا باستثمار وصل إلى 5.6 مليار دولار، ويُتوقع أن يبدأ تشغيله في الربع الثالث من هذا العام، موفراً نحو 2300 وظيفة مباشرة، ويُتوقع أن يرتفع العدد تدريجياً إلى 10 آلاف وظيفة مع اكتمال مراحل المشروع، كما جذبت البلاد شركات صينية أخرى متخصصة في مواد البطاريات لتكوين منظومة صناعية تستهدف الأسواق الأوروبية في المقام الأول. وبالطبع فقد أثار هذا التقارب المغربي – الصيني نقاشات متزايدة في الأوساط الأوروبية؛ إذ تخشى بعض الدوائر الأوروبية أن يتحول المغرب إلى منصة صناعية للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية.
إن نجاح تجربة «النموذج التنموي» الجديد في المغرب يعود إلى استفادته من مجموعة من الممكنات التي تمتلكها البلاد؛ فجذب الشركات الصينية استند على موارد البلاد الطبيعية من الفوسفات والمعادن النادرة، والقدرات البشرية المؤهلة. والتحول نحو الصادرات لم يكن لولا الموانئ المغربية، ومن أكبرها ميناء طنجة الذي أصبح أكبر ميناء للحاويات في أفريقيا والبحر المتوسط. والصناعة في مجملها لم تكن لتنجح لولا الاستثمار في البنى التحتية من شبكات طرق وسكك حديدية وخدمات لوجيستية، وفوق ذلك كله الرغبة السياسية والعمل الجاد من الحكومة التي أنشأت مناطق صناعية متخصصة ومناطق حرة توفر إعفاءات ضريبية وحوافز استثمارية، إضافة إلى اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة… كل ذلك مكّن الاقتصاد المغربي ليصبح النموذج الاقتصادي الأبرز في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، والذي وضع المغرب في موقع مهم داخل سلاسل القيمة العالمية.

