د. منار الشوربجي
انخفاض شعبية ترامب إلى ٣٣٪ لا يعنى بالضرورة هزيمة حزبه فى انتخابات الكونجرس القادمة. بل إن تلك الهزيمة إن وقعت فلا تعنى بالضرورة تحولا حقيقيا فى السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية. فصحيح أن انتخابات منتصف المدة تكون عادة استفتاء على أداء الرئيس ومعاقبة حزبه أو مكافأته، إلا أن تلك القاعدة، حتى تتحقق، لها شروط لا تتعلق فقط بأداء الرئيس وحزبه وإنما بالحزب المنافس. وتلك بالضبط هى معضلة انتخابات الكونجرس فى نوفمبر القادم وما بعدها. فالديمقراطيون يخوضون اليوم معركتين واحدة حول روح الحزب، والثانية ضد الجمهوريين.
فالحزب الديمقراطى، حزب اليسار تقليديا، شهد تحولات كبرى منذ تسعينات القرن الماضى أفرغته من المحتوى الذى ضمن له مقاعد الأغلبية بالمجلسين لأربعة عقود متتالية. فروزفلت، الديمقراطى، ومعه أغلبية حزبه بالكونجرس أرسيا حزمة من البرامج الاجتماعية الحكومية، أهمها برنامج المعاشات المعروف باسم «الضمان الاجتماعى». ثم أنشأ جونسون فى الستينات مع أغلبية حزبه حزمة أخرى أهمها برنامجى الرعاية الطبية والمساعدة الطبية اللذين وفرا الرعاية الصحية للمسنين والفقراء وذوى الهمم. وتلك البرامج استفاد منها الملايين فضمنت للحزب الديمقراطى ولاء اتحادات العمال وأغلب المهنيين.
ثم جاءت حركة الحقوق المدنية التى ألهمت حركات المرأة والأمريكيين الأصليين وذوى الأصول اللاتينية. ونتج عنها مجموعة قوانين، فى ظل سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس والرئاسة، الأمر الذى أكد على ولاء السود وغيرهم من الأقليات للحزب. ومن هنا، كان الائتلاف الانتخابى للحزب الديمقراطى أكثر اتساعا بكثير من ائتلاف الحزب الجمهورى الذى صار حزب أصحاب الاعمال الكبار ومصالحهم. لكن تلك المعادلة خدمت الجمهوريين الذين راحوا يفوزون بالرئاسة مرات متتالية عبر التمويل الهائل للحملات الانتخابية من جانب أصحاب الأعمال. غير أن التحول الأكثر راديكالية فى الحزب الديمقراطى جاء فى انتخابات الرئاسة ١٩٩٢.
فطمعا فى تمويل الأعمال الكبرى للحملات وسعيا وراء أصوات البيض، تخلى عن العمال واعتبر أصوات الأقليات مسلما بها لأن الحزب الجمهورى خطر على مصالحها. ومن وقتها، يتجنب مرشحو الحزب التعبير الصريح عن مصالح العمال، وباتوا يطلقون تعهدات فارغة للأقليات لا يتم تنفيذ أغلبها. وأصبح الحزب يفوز هو الآخر عبر التمويل الهائل خصوصا من قطاع المال وصار منافسا شرسا للحزب الجمهورى على الأموال الضخمة! بعبارة أخرى، بات الحزب الديمقراطى نسخة مخففة من الحزب الجمهورى.
ومن يتابع بدقة يدرك أن الحزب الديمقراطى يتبنى اليوم التوجهات ذاتها تقريبا التى كان يتبناها الحزب الجمهورى قبل أن ينحرف بشدة نحو اليمين! وقد نجحت النسخة الجديدة للديمقراطيين، أول الأمر، بفوز كلينتون، وظلت المنطق الحاكم لحملتى أوباما، بالمناسبة. لكن مع مرور الوقت، التقط جمهور الحزب الخدعة، وضاق ذرعا بتصويته المستمر للأقل سوءا، فاتسعت بشدة الهوة بين قاعدة الحزب الانتخابية، التى تميل بشكل حاسم نحو اليسار وقيادات الحزب التى لا تزال تتمترس فى يمين الوسط. وجاءت صدمة قيادات الحزب حين فاز ذلك العدد الكبير من الاشتراكيين الديمقراطيين فى الانتخابات التمهيدية، بل وكشفت استطلاعات الرأى أن ثلاثة أرباع الناخبين الديمقراطيين يعتبرون أنفسهم اشتراكيين ديمقراطيين!
لكن بدلا من أن تغير قيادات الحزب مسارها وتستفيد من فوز هؤلاء باسم الحزب الديمقراطى وتتعاون معهم لهزيمة الجمهوريين فى نوفمبر، إذا بها تشن حربا على الاشتراكيين الديمقراطيين وتوجه طاقتها لتشويههم وهزيمتهم بل وتحالفت مع أصحاب الأموال الضخمة لدعم مرشحى يمين الوسط ضد الاشتراكيين الديمقراطيين!
ومالم ينجح الحزب فى سد الفجوة بين قاعدته وقياداته، تظل انتخابات نوفمبر القادم وما يليها مفتوحة على كل الاحتمالات.

