مقالات

المخاطر والمكافآت: ماذا تعلمت إيران بعد عقد من المحادثات النووية؟

“سايفر بريف”

“إن المرء الذي يعبر النهر مرة، لا يستطيع أن يعبر النهر ذاته مرة ثانية، ذلك أن مياه النهر قد تغيرت من المرة الاولى إلى المرة الثانية وكذلك هي الحال بالنسبة إلى المرء”. تمامًا كما كان هذا القول يصح بالنسبة إلى هرقليطس من إفسوس في الأزمنة الغابرة، فهو يصح اليوم على حد سواء للقادة الإيرانيين. عندما تدرس طهران استراتيجيتهاتجاه الاتفاق النووي، ترتكز طروحاتها على الأخطاء الماضية المرتكبة من قبل قادتها البارزين، الذين كانوا جميعهم لاعبين أساسيين في تصميم استراتيجية إيران الدبلوماسية الفاشلة في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.

المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف ورئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي كانوا جميعهم موجودين عندما قررت إيران الانسحاب من اتفاقاتها النووية عام 2005 وأعادت إطلاق أنشطتها النووية. فخامنئي كان صانع القرار النهائي في إيران وروحاني كان كبير مفاوضيها وظريف وصالحي كانا سفيري الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تباعًا. وبعد عقد، تواجه الشخصيات ذاتها المعضلة ذاتها: هل يجب الالتزام بالاتفاق النووي إذا قامت الولايات المتحدة بزيادة الضغط على إيران، أو يجب الانسحاب من الالتزام ومواجهة العواقب؟ مهما كانت الاستراتيجية التي ستختارها القيادة الإيرانية، سيتم إعدادها بالتأكيد على ضوء العبر المستخلصة من الماضي من قبل إيران.

“اتفاقات باريس”: تذكير موجز

بعد أن ضُبطت إيران وهي تبني موقع تخصيب سريًا في نطنز ومحطة لإنتاج المياه الثقيلة في آراك، أُرغمت على المشاركة في مفاوضات مع الأسرة الدولية، بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا (دول الاتحاد الأوروبي الثلاث)، حول برنامجها النووي. وأصر الأوروبيون، المدعومون من قبل الولايات المتحدة، على أن تعلّق إيران كافة أنشطة دورة الوقود (بشكل خاص أنشطة التخصيب)، فيما حاولت طهران صدهم وكسب الوقت من خلال المشاركة في تكتيكات تفاوض بأسلوب البازار، مع طمس أي أدلة على الجوانب العسكرية لبرنامجها النووي.

بالرغم من صعوبة المفاوضات، توصلت إيران ودول الاتحاد الأوروبي الثلاث إلى بعض الاتفاقات المؤقتة التي تهدف إلى تعزيز الثقة بين الأطراف والحؤول دون تدهور الوضع أكثر، مع تعليق إيران “طوعيًا” أنشطة التخصيب. إلا أن تلك الاتفاقات كانت متراخية نوعًا ما وسمحت لإيران باستغلال ثغراتها. كما كشف روحاني بنفسه في أحد مؤلفاته: “بينما كنا نتحدث مع الأوروبيين في طهران، كنا نثبّت المعدات في أصفهان… من خلال خلق جو مريح، استطعنا إنجاز العمل”.

أخيرًا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، وافقت إيران على التوقيع على “اتفاقات باريس” وعلقت “طوعيًا” كافة الأنشطة المرتبطة بالتخصيب وإعادة المعالجة مقابل الاعتراف بحقها بالتكنولوجيا النووية في إطار معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وإمكانية التعاون النووي والتكنولوجي والاقتصادي الملموس مع أوروبا. وسرعان ما بدأت المحادثات حول اتفاق شامل لتسوية الملف النووي الإيراني، ولكن بما أن سقف التوقعات الإيرانية المتعلقة بالمحادثات كان عاليًا جدًا، فقد وصلت المحادثات إلى طريق مسدود. وبعد عدة أشهر على المحادثات، عندما كان التقدم ما زال “بطيئًا” كما وصفه روحاني لاحقًا، بدأت طهران تبحث في الوقت الملائم للانسحاب من “اتفاقات باريس”. وفي آب/أغسطس 2005، بعد أشهر من الاستشارات ضمن القيادة الإيرانية، استأنفت طهران تحويل اليورانيوم في منشأتها في أصفهان، واضعةً عمليًا حدًا للاتفاقات. وقد استجابت الأسرة الدولية من خلال إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفرضت عقوبات قاسية على طهران.

بلسان روحاني: ماذا تعلمت إيران؟

ترك حسن روحاني منصبه ككبير المفاوضين في صيف العام 2005. في العقد الذي سبق انتخابه كرئيس لإيران، لم يكن يشغل أي منصب سياسي، فكان لديه الوقت الكافي للتعبير عن منظوره تجاه محادثات الأعوام 2003-2005 من خلال كتاباته وإبداء عدم رضاه عن المقاربة الإيرانية المعتمدة في عهد أحمدي نجاد.

تغير الوضع بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، إذ توصلت إيران و”مجموعة الخمسة زائد واحد” إلى “خطة العمل المشتركة الشاملة” التي رفعت العقوبات النووية عن طهران وسمحت لإيران بالتفاعل مع العالم. ولكن مقارنة مؤلفات روحاني وخطاباته بسلوك إيران تجاه “خطة العمل المشتركة الشاملة” في الأشهر الأخيرة تُظهر أن طهران قد تعلمت عبرة أو عبرتين من أخطائها في الماضي القريب.

دق إسفين بين القوى الغربية المعادية: خلال الأزمة النووية، حاولت طهران خلق انقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا، على أمل أن يؤدي الالتزام المباشر مع دول الاتحاد الأوروبي الثلاث إلى زيادة خلافاتها مع واشنطن ومنع التوصل إلى إجماع ضد إيران. إلا أن هذه الاستراتيجية باءت بالفشل، مع ادعاء روحاني لاحقًا أن الولايات المتحدة كانت تعيق المحادثات خلف الكواليس وتضغط على الأوروبيين للتجاوب مع سياستها. غير أن الرئيس الإيراني المستقبلي دافع عن سياسته وقارن خيار التفاعل مع أوروبا وليس مع الولايات المتحدة برجل فقير لا يمكنه شراء مرسيدس بسبب كلفتها الباهظة، فيختار عوضًا عن ذلك سيارة بيكان، وهي سيارة إيرانية الصنع شهيرة ورخيصة

بعد أكثر من عقد، تتبع إيران الاستراتيجية ذاتها، محاولةً استغلال الثغرات القائمة بنظرها بين أوروبا وإدارة ترامب. تعتبر إيران هذه الاستراتيجية على الأرجح وسيلة لتحقيق غايتين: دفع الأوروبيين للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل المحافظة على “خطة العمل المشتركة الشاملة” ومنع قيام جبهة غربية موحدة ضد إيران إذا أعيد فرض العقوبات. بالتالي، خلال الأشهر القليلة الماضية، كثفت إيران الضغط على أوروبا من خلال الجهود الدبلوماسية، لاعبةً دور الطرف المغبون، على أمل أن تصطف إلى جانبها. وقد وعد رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية صالحي في آب/أغسطس بما يلي: “إذا وضع الأمريكيون الاتفاق جانبًا، من المرجح جدًا ألا تحذو أوروبا حذوهم، فتبقى أمريكا وحيدة”.

منافع الدعم الروسي: في مفاوضات العقد الأول من الألفية الثالثة، قامت إيران بالتنسيق مع روسيا والصين، إلا أنها لم تستثمر موراد كافية للحصول على دعمهما. تأسف روحاني لاحقًا على ذلك، مقرًا أنه “إذا استطعنا أن نجد دولة مستعدة لاستخدام حق النقض ضد قرار محتمل لمجلس الأمن” أو إذا “وافق الروس على أن تكون لدينا دورة وقود”، عندها “لن تواجه إيران صعوبات تُذكر”.

انطلاقًا من فهمها أن الدعم الروسي والصيني يعتمد على “المنافع المكتسبة في المقابل”، أمضت إيران السنوات القليلة الماضية في تعزيز علاقاتها مع بكين، والأهم، مع موسكو. فقد أصبحت طهران حليف موسكو الاستراتيجي في سوريا وشريكًا روسيًا أساسيًا في تحدي النظام العالمي بقيادة الغرب. وتزايد الدعم الروسي لإيران خلال العام الماضي، مع صد روسيا لردة الفعل الدولية على عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية وحتى مساعدتها لطهران على ما يبدو لخرق حظر الأسلحة المفروض عليها بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2231.

يمكن لوقفة استراتيجية أن تسهل التقدم الأساسي: في مقابلة أجريت خلال الحملة الرئاسية للعام 2013، رفض روحاني الاتهامات التي مفادها أنه قد أوقف تقدم إيران في الحقل النووي خلال المفاوضات، وادعى أن بعض إنجازات إيران في تحويل اليورانيوم وتخصيبه تحققت خلال المفاوضات وكانت أساسية لتقدم البرنامج النووي الإيراني.

وكذلك، يشدد الخطاب الإيراني اليوم على أن “البرنامج النووي لم يتوقف بل استمر مع المزيد من الانضباط والزخم”. فمع أن “خطة العمل المشتركة الشاملة” تقيد البرنامج النووي الإيراني للعقد المقبل، إلا أنها تسمح لإيران بمتابعة العمل على نواحٍ أخرى أساسية من برنامجها النووي. وتتضمن هذه النواحي، من بين أمور أخرى، تعزيز ثقة إيران بأجهزة الطرد المركزي المتقدمة الخاصة بها وتحسين مدى صواريخها وقدرتها على إطلاق أسلحة نووية. وكما أفاد “تقييم التهديدات العالمية للمجتمع الاستخباراتي الأمريكي للعام 2017”: “تسعى إيران إلى تطوير قدراتها لتحقيق أهدافها المتعلقة بالطاقة والتكنولوجيا النووية وللتمكن من بناء أسلحة نووية يمكن إيصالها عن طريق الصواريخ، إذا أرادت القيام بذلك”.

أهمية الصبر والحذر في التعامل مع “خطة العمل المشتركة الشاملة”: في العام 2006، بعد عام من مغادرة منصبه ككبير المفاوضين، سلط روحاني الضوء على التصورات الخاطئة الكامنة وراء قرار الانسحاب من “اتفاقات باريس”. فقد كشف روحاني أنه أوصى وفريقه بالحذر، إلا أن آخرين في القيادة الإيرانية، الذين فازوا في النهاية بالنقاش، رأوا أن هذه الخطوة لن يكون لها سوى تأثيرات محدودة على إيران، معتبرين التهديد بإحالة القضية إلى مجلس الأمن مجرد خدعة. وفي مناسبة أخرى، زعم روحاني أنه دعا إلى التحلي بالصبر، معتبرًا أنه على إيران إيجاد “الوقت الأفضل والظروف الفضلى” إذا أرادت الانسحاب من الاتفاقات.

يبدو أن خامنئي وروحاني تعلما درسهما وعملا به خلال العام الماضي. فمع أن المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى، ألقوا اللوم على الولايات المتحدة لخرقها روحية “خطة العمل المشتركة الشاملة” ونصها، إلا أنهم أبقوا على الرسالة القائلة بأن إيران يجب ألا تبدي ردة فعل متسرعة على الولايات المتحدة وتقع في “فخها”، ما يقدم ذريعة لواشنطن لإبطال “خطة العمل المشتركة الشاملة” وزيادة الضغط على إيران.

وبالتالي، عوضًا عن اعتماد استراتيجية حافة الهاوية كما فعلت طهران في العام 2005، ومحاولة ممارسة تصعيد محدود ولكن تحت السيطرة لاستغلاله كوسيلة ضغط من أجل الحصول على تنازلات من الغرب، اختارت طهران أن تتفاعل بطريقة “متبادلة ونسبية”، بشكل أساسي من خلال آليات “خطة العمل المشتركة الشاملة”. وفي الوقت الحاضر، مع أن إيران تهدد بتوسيع البرنامج النووي بسرعة إلى مستوى ما قبل “خطة العمل المشتركة الشاملة”، يبدو أن مسؤوليها مدركون تمامًا للصعوبات والتهديدات التي سيواجهونها إذا حاولوا القيام بذلك. فكما اعترف رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية مؤخرًا: “كمدير وكالة الطاقة الذرية الإيرانية ونظرًا لمعرفتي بالبعد التقني للمسألة، لا أريد أن يتم إبطال “خطة العمل المشتركة الشاملة”.

التطلع قدمًا: نهر مختلف، تحدٍ مختلف

تضرر القادة الإيرانيون من تجربة اتفاقات العام 2005 وتعهدوا بعدم الغرق في النهر ذاته مرتين. ففيما تدرس الإدارة الأمريكية خياراتها لاعتماد سياسة إيرانية جديدة، لا بد من أن تبقي في ذهنها أن العبر التي استخلصتها طهران من ماضيها قد تجعل إيران أكثر تجنبًا للمخاطر من المعتاد، ما يترك تداعيات على أي استراتيجية أمريكية تجاه “خطة العمل المشتركة الشاملة”، مهما كانت تلك الاستراتيجية.

يبدو أن إيران ستحاول، أقله على المدى القصير، أن تمتنع عن الخطوات التي ستؤدي إلى عزلها أو تساعد الولايات المتحدة على دعم الأسباب الداعية إلى إبطال “خطة العمل المشتركة الشاملة”، حتى ولو كانت طهران تعتبر أن الولايات المتحدة تنتهك الاتفاق بشكل فاضح. يقدم ذلك للحكومة الأمريكية فرصة، كما يطرح تحديًا أمامها. من ناحية أخرى، سيفتح ذلك أمام واشنطن نافذة لزيادة ضغطها على برنامج الصواريخ الإيراني وأنشطة إيران الإقليمية الخبيثة. وقد تقرر طهران الالتزام بالاتفاق كـ “أهون الشرور” وتحاول عوضًا عن ذلك الانتقام من المصالح الأمريكية في المنطقة.

من ناحية أخرى، قد تصب زيادة الضغط على إيران في مصلحة إيران وتوسع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة. بالتالي، مهما كانت الخطوات المتخذة من قبل الولايات المتحدة، لا بد من أن تكون منسقة مع حلفائها، خصوصًا الأوروبيين، لتجنب الوقوع في فخ طهران والمحافظة على جبهة غربية موحدة ضد أنشطة إيران الإقليمية، وإلا سيكون من الصعب اجتياز النهر الذي تكلم عنه هرقليطس.