ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول هي الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل أن يتحول جزء من نخبها السياسية إلى حراس لمصالح الخارج بدلاً من أن يكونوا حراسًا للوطن. فحين تصبح الأولوية حماية النفوذ الأجنبي لا حماية السيادة الوطنية، تتحول الدولة إلى ساحة صراع، ويتحول المواطن إلى مجرد متفرج على معركة لا تخدم مستقبله.
وهذا هو جوهر المأزق العراقي اليوم.
فمع بروز مؤشرات يتعامل معها كثير من العراقيين بوصفها محاولة لفتح نافذة نحو قرار سياسي أكثر استقلالًا، عبر التحركات التي يقودها الزيدي والانفتاح الذي حظيت به تحركاته على المستوى الدولي، ظهرت في المقابل حملة سياسية وإعلامية شرسة تسعى إلى إجهاض أي مسار يمكن أن يعيد للعراق شيئًا من قراره الوطني. ومع ذلك، لا يزال الشارع العراقي يتعامل بحذر مع هذه المؤشرات، منتظرًا أفعالًا ملموسة لا وعودًا أو انطباعات.
لكن اللافت أن أول من شعر بالقلق لم يكن العراقيون، بل طهران.
فمجرد ظهور احتمال أن يمتلك العراق مساحة أوسع من حرية قراره السياسي كان كافيًا ليكشف حجم الحساسية الإيرانية تجاه أي تحول لا ينسجم مع مصالحها. ولم يكن ذلك بحاجة إلى كثير من التفسير، فقد جاءت تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، التي وصف فيها زيارة الزيدي إلى واشنطن بأنها “عار”، لتسقط كل الأقنعة السياسية والدبلوماسية.
ذلك الوصف لم يكن مجرد رأي شخصي، بل عكس عقلية سياسية ما زالت تنظر إلى العراق بوصفه ساحة نفوذ، لا دولة ذات سيادة. فلو كان العراق يُعامل دولة مستقلة، لما اعتُبرت زيارة مسؤول عراقي إلى دولة أخرى أمرًا يستحق الإدانة أو الوصاية.
وما إن انفجر الغضب الشعبي العراقي رفضًا لهذا التدخل، حتى سارعت الدبلوماسية الإيرانية إلى احتواء الأزمة، عبر اتصال وزير الخارجية الإيراني بنظيره العراقي، مؤكدًا أن تصريحات ولايتي لا تمثل موقف الحكومة، وإنما تعبر عن رأيه الشخصي.
لكن العراقيين لم يعودوا يقيسون النوايا بالتصريحات، بل بالتجارب.
فبعد أكثر من عقدين من التدخلات السياسية والأمنية، لم يعد من السهل إقناع الرأي العام بأن المشكلة تكمن في تصريح فردي. لأن الشعوب لا تحاكم الكلمات، بل تحاكم الوقائع، والوقائع هي التي تصنع الثقة أو تهدمها.
والأخطر من كل ذلك أن هذه التصريحات سرعان ما انعكست على خطاب بعض القوى داخل العراق، التي سارعت إلى الدفاع عن منطق النفوذ بدل الدفاع عن سيادة الدولة. وهنا تتكشف المشكلة الحقيقية.
فليس كل من يرفع شعار المقاومة مقاومًا، وليس كل من يتحدث باسم العراق يعمل من أجل العراق. فالوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالموقف عندما يتعارض نفوذ الخارج مع مصلحة الوطن.
هناك من يرى في أي محاولة لاستعادة القرار العراقي تهديدًا لمشروعه السياسي، لأن قوته لم تُبنَ على الدولة، بل على استمرار الارتهان لها. ولذلك يقاوم استقلال العراق، لا لأنه يضر بالعراق، بل لأنه يضر بنفوذه.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا وصريحًا: من الذي يزعجه أن يمتلك العراق قراره؟ ومن الذي يخاف من دولة قوية لا تخضع إلا لدستورها ومصالح شعبها؟
إن من يعتبر استقلال القرار العراقي خطرًا، لا يمكن أن يكون مشروعه مشروعًا وطنيًا، مهما رفع من شعارات. فالوطن لا يُبنى بولاءات متعددة، ولا تُحمى السيادة بسلاح يخضع لحسابات خارج حدود الدولة.
لقد تعب العراقيون من أن يكون وطنهم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وتعبوا أكثر من وجود قوى سياسية تقدم مصالح الآخرين على مصالح العراق، ثم تطالب الشعب بتصديق شعارات الوطنية.
العراق لا يحتاج اليوم إلى حراس لمشاريع النفوذ، ولا إلى من يبرر التدخلات الخارجية أياً كان مصدرها. إنه يحتاج إلى رجال دولة يؤمنون بأن بغداد يجب أن تكون عاصمة قرار، لا صندوق بريد لتبادل الرسائل بين العواصم.
إن المرحلة المقبلة لن تكون اختبارًا للزيدي وحده، بل اختبارًا لكل القوى السياسية. فمن سيقف مع استقلال القرار الوطني، سيقف مع العراق. ومن سيقف ضد هذا المسار، بحجة حماية هذا المحور أو ذاك، فسيكشف بنفسه أين ينتهي الوطن وأين تبدأ الولاءات الأخرى.
لقد آن الأوان لأن تُرسم الحدود الفاصلة بين الدولة والنفوذ، وبين الوطنية والتبعية، وبين من يحرس العراق… ومن يحرس المشروع الذي يريد للعراق أن يبقى دولة ناقصة السيادة.
فالشعوب لا تخلد أسماء حراس النفوذ، بل تحفظ في ذاكرتها أولئك الذين وقفوا عندما احتاج الوطن إلى رجال دولة، لا إلى وكلاء نفوذ.
ولهذا، فإن العراق اليوم لا يحتاج إلى حراس نفوذ… بل يحتاج إلى حراس وطن.

