لم يعد القصف الإيراني المتكرر لإقليم كردستان العراق تعبيراً عن قوة، كما تحاول طهران أن تقدمه، بل أصبح دليلاً على عجز سياسي وعسكري عن معالجة مشكلاتها في المكان الذي توجد فيه فعلاً.
الدولة التي تمتلك مشروعاً إقليمياً كبيراً لا تحتاج إلى قصف أراضي دولة جارة كلما واجهت أزمة داخلية أو تهديداً من جماعة مسلحة. أما تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، فهو اعتراف صريح بأن إيران لم تعد تملك أدوات سياسية كافية لإدارة خصومها.
المشكلة هنا ليست في حق إيران في حماية أمنها. لكل دولة الحق في الدفاع عن أمنها وحدودها. المشكلة في أن طهران تتصرف وكأن العراق لا يملك سيادة، وكأن إقليم كردستان أرض تابعة لها تستطيع أن تضرب فيها متى شاءت، من دون احترام للحكومة العراقية أو مؤسسات الدولة العراقية.
وهذا هو جوهر الأزمة.
إيران لا تختبر قوة الأكراد فقط، بل تختبر هيبة الدولة العراقية نفسها.
كل صاروخ أو مسيّرة إيرانية تضرب هدفاً داخل العراق تحمل رسالة سياسية أخطر من الانفجار الذي تحدثه: أن طهران تستطيع استخدام القوة داخل الأراضي العراقية من دون أن تواجه قراراً عراقياً حاسماً.
وهنا يصبح الصمت العراقي مشكلة بحد ذاته.
فالدولة التي لا تحمي حدودها ولا تمنع الآخرين من استخدام أراضيها لتصفية حساباتهم، تتحول تدريجياً من دولة ذات سيادة إلى مساحة جغرافية مفتوحة للصراعات الإقليمية.
والأكثر خطورة أن القصف لا يحقق لإيران ما تريده.
إذا كان الهدف إنهاء تهديد الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، فالقصف وحده لم ينهِ المشكلة. وإذا كان الهدف ردع إقليم كردستان، فإن تكرار الضربات يدل على أن الردع لم يتحقق. وإذا كان الهدف إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة فإن ضرب العراق لا يثبت القوة، بل يكشف حدود القدرة على الوصول إلى الخصم الحقيقي.
القوة العسكرية الحقيقية تُستخدم لتحقيق هدف سياسي واضح، لا لتكرار الضربات نفسها من دون تغيير النتيجة.
ولهذا فإن استمرار القصف الإيراني لإقليم كردستان يمكن قراءته باعتباره إفلاساً في الخيارات أكثر من كونه فائضاً في القوة.
إيران تواجه اليوم أزمة أكبر من حدودها مع العراق. تواجه أزمة نفوذ ومعادلة إقليمية تتغير، وتجد نفسها مضطرة إلى استخدام الأدوات القديمة في وقت لم تعد فيه تلك الأدوات تنتج النتائج القديمة.
لكن الأخطر بالنسبة للعراق هو أن تتحول هذه السياسة إلى أمر طبيعي.
لا ينبغي للعراقيين أن يتعاملوا مع القصف الإيراني وكأنه حادث أمني عابر. المسألة تتعلق بالسيادة العراقية، وبحق الدولة وحدها في تحديد ما يحدث على أراضيها.
إقليم كردستان جزء من العراق، وأي اعتداء عليه هو اعتداء على الأراضي العراقية.
ومن هنا يجب أن تكون الرسالة العراقية واضحة وغير قابلة للتأويل:
العراق ليس ساحة مفتوحة لإيران، ولا لإسرائيل، ولا للولايات المتحدة، ولا لأي دولة أخرى.
من يريد مواجهة خصومه فليواجههم خارج الأراضي العراقية أو عبر القنوات السياسية والقانونية، أما تحويل العراق إلى صندوق بريد للصراعات الإقليمية فلم يعد مقبولاً.
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً بسبب سياسة ترك الآخرين يتقاتلون على أرضه. واللحظة التي تستعيد فيها الدولة العراقية قرارها تبدأ من قاعدة بسيطة:
لا صديق ولا حليف ولا جار يملك حق قصف العراق بحجة حماية أمنه.
إيران تعرف هذه الحقيقة.
لكنها تتصرف وكأن العراق لا يعرفها.
وهنا تقع مسؤولية بغداد قبل أي طرف آخر.
فالسيادة لا تُستعاد بالبيانات، ولا بالاحتجاجات الدبلوماسية المتكررة، ولا بالصمت.
السيادة قرار سياسي، وإرادة دولة، وقدرة على فرض احترام الحدود.
وإذا استمر القصف الإيراني، فإن السؤال لن يعود: لماذا تقصف إيران كردستان؟
بل سيصبح السؤال الأكثر إيلاماً:
لماذا تسمح الدولة العراقية لإيران بأن تقصف جزءاً من أراضيها باستمرار والسكوت عنه؟

