متى يصبح للعراقي ضمان اجتماعي وصحي من واردات النفط؟

3

 

 

جميل عبد الله

النفط ملك الشعب العراقي… فأين نصيب المواطن من هذه الثروة؟

 

منذ سنوات طويلة، يعيش العراق على مورد اقتصادي رئيسي هو النفط، حتى أصبحت إيراداته تمثل العمود الفقري لتمويل الدولة وموازنتها. وفي الوقت نفسه، ما زال المواطن العراقي يتساءل: إذا كان النفط ملكًا لكل الشعب العراقي، فلماذا لا يشعر المواطن بشكل مباشر ومستدام بعائدات هذه الثروة؟

 

السؤال هنا ليس مجرد مطالبة بمنحة أو راتب إضافي، بل يتعلق بمفهوم أعمق: هل يمكن تحويل جزء من عائدات النفط إلى ضمان اجتماعي وصحي حقيقي ومستدام لكل عراقي؟

 

الدستور العراقي واضح في هذه النقطة؛ إذ تنص المادة 111 على أن النفط والغاز ملك جميع الشعب العراقي في جميع الأقاليم والمحافظات. كما تنص المادة 112 على أن عائدات النفط ينبغي أن توزع بصورة منصفة بما يحقق التنمية المتوازنة بين مناطق البلاد.

 

وفي المقابل، ينص الدستور أيضًا على أن الدولة تكفل للفرد والأسرة الضمان الاجتماعي والصحي، خصوصًا في حالات المرض والشيخوخة والعجز عن العمل والبطالة، كما يقر حق كل عراقي في الرعاية الصحية.

 

وهنا تظهر المفارقة:

 

ثروة وطنية يملكها الشعب، ودستور يضمن الضمان الاجتماعي والصحي، وبلد يمتلك موردًا نفطيًا ضخمًا… فلماذا لم يتحول جزء من هذه الثروة إلى نظام ضمان مستدام يشعر به المواطن؟

 

المطلوب ليس بالضرورة توزيع عائدات النفط على المواطنين بشكل نقدي مباشر، لأن ذلك قد يحول الثروة إلى إنفاق استهلاكي مؤقت. الأفضل هو إنشاء صندوق وطني سيادي أو صندوق للأجيال، تُخصص له نسبة واضحة ومدروسة من صافي إيرادات النفط، وتكون أمواله محمية بالقانون وتحت رقابة البرلمان والقضاء والجهات الرقابية.

 

يمكن أن يُستخدم جزء من عوائد هذا الصندوق لتمويل نظام ضمان صحي شامل، ودعم المتقاعدين والعاطلين عن العمل والفئات الأكثر احتياجًا، وتطوير المستشفيات، وتوفير الأدوية، وتمويل برامج الحماية الاجتماعية.

 

بهذه الطريقة لا يحصل المواطن على “راتب نفطي” ينتهي بانتهاء الأموال، وإنما يحصل على حق مستمر في خدمات اجتماعية وصحية أفضل.

 

والأهم من ذلك أن إدارة هذه الأموال يجب أن تكون شفافة. فالمحكمة الاتحادية العليا أكدت أن ملكية النفط للشعب العراقي تعني أن الشعب من حقه معرفة حجم العائدات وكيفية توزيعها، لأن المالك من حقه أن يعرف ما تنتجه ملكيته وكيف تُدار.

 

العراق لا يحتاج فقط إلى بيع النفط، بل يحتاج إلى تحويل النفط من مصدر للإنفاق إلى أداة لبناء دولة الرفاه والتنمية.

 

فبدل أن يكون السؤال كل عام: كم بلغت موازنة الدولة؟ وكم بلغت إيرادات النفط؟ يجب أن يصبح السؤال:

 

كم عاد من ثروة النفط إلى المواطن العراقي على شكل صحة، وتعليم، وضمان اجتماعي، وسكن، وفرص عمل، وتنمية حقيقية؟

 

إن بناء ضمان اجتماعي وصحي ممول بصورة مستدامة من الثروة الوطنية يمكن أن يكون أحد أهم أشكال العدالة بين الأجيال.

 

فالنفط مورد ناضب، أما الإنسان العراقي فهو الثروة التي يجب أن تبقى.

 

وعندما يقول الدستور إن النفط ملك كل الشعب العراقي، فإن التحدي الحقيقي ليس في معرفة من يملك النفط فقط، بل في معرفة: كيف تتحول هذه الملكية إلى حياة أفضل للمواطن؟

 

ربما آن الأوان لفتح نقاش وطني جاد حول إنشاء ضمان اجتماعي وصحي عراقي مستدام من ثروة النفط، بحيث لا تبقى عائدات النفط مجرد أرقام في الموازنة، بل تتحول إلى حقوق وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

 

فمتى يصبح النفط الذي يملكه الشعب ضمانًا حقيقيًا لمستقبل الشعب؟

التعليقات معطلة.