وبعيدا عن كل القوانين والنصوص التي صاغها الاحتلال البريطاني لفلسطين ، من أجل ترسيخ وجود العصابات الصهيونية والمستوطنات، كان للجانب العنيف الجزء الأهم في دعمهم ضد الفلسطينيين للتهجير وسلب أراضيهم.
وتتشابه أفعال الاحتلال اليوم، بعد أوامر وزير الحرب يسرائيل كاتس للجيش، بإعداد خطة لنقل صلاحيات التعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية التابعة لوزارة ما يعرف بالأمن القومي التي يتولاها اليميني المتطرف إيتمار بن غفير.، بما فعلته بريطانيا في ثلاثينيات القرن العشرين.
ويأتي القرار في وقت يحمي فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوطنين خلال اعتداءاتهم على الفلسطينيين، فيما حذر مراسل إذاعة الجيش من أن الخطوة قد تعطل التعامل مع مستوطنين يرتكبون جرائم في البلدات الفلسطينية بالضفة.
ونقلت إذاعة الجيش عن كاتس قوله في بيان: “ليس من مهام الجيش الإسرائيلي التعامل مع إنفاذ القانون في القضايا المدنية في الضفة الغربية، ولذلك يتعين أن تتولى الشرطة وحدها جميع إجراءات إنفاذ القانون ضد المستوطنين وليس الجيش”.
وأضاف كاتس أن دور الجيش يتمثل، وفق زعمه، في “مكافحة الإرهاب الفلسطيني” والتركيز على حماية الحدود والمستوطنات من التهديدات.
أخطبوط المستوطنين
ولجأت بريطانيا إلى تعزيز المستوطنات اليهودية في فلسطين، وتحويلها بصورة تدريجية إلى تجمعات مسلحة، ليس بغرض حماية المستوطنين، بل لشن هجمات على الفلسطينيين.
وأوجد البريطانيون، نظام شرطة المستوطنات، وكان المجندون اليهود، يتلقون تدريبا عسكريا، على الأسلحة بواسطة مدربين عسكريين بريطانيين، ليعود المتدربون إلى المستوطنات، لتدريب بقية العناصر.
ومنحت بريطانيا المستوطنين، بنادق ومستودعات أسلحة داخل المستوطنات، وتدريبات متواصلة، واستدعاء قوات احتياط لدعمهم عند الضرورة.
وبحسب وثائق أعدتها حكومة الاحتلال البريطاني في فلسطين، في ثلاثينيات القرن الماضي، كان عدد المستوطنين المسلحين والمدربين على يد الجيش البريطاني، قرابة 20 ألف عنصر، مقابل فلسطينيين عزل لا يملكون السلاح، ويتعرضون للهجمات بصورة متواصلة لسرقة أراضيهم.
ومنح المستوطنون أسلحة تعد نوعية في ذلك الوقت، مثل الرشاشات وبنادق القنابل، وبنادق متطورة في حينه، وقوات مشاة مجهزة بأسلحة وآليات مدرعة للقيام بدوريات وهجمات على الفلسطينيين.
تشكل الهاغاناه
وتسببت بريطانيا في تراكم عدد كبير من المستوطنين المدربين، تدريبا عسكريا حقيقيا، وخبرات في التعامل مع الأسلحة والتدريب وشبكات اتصال خاصة بهم، لتنظيم الهجمات والتحركات ضد الفلسطينيين.
تشكلت عصابات الهاغاناه بشكل سري، من المستوطنين، وتلقى أفرادها الخبرات والتدريبات من الجيش البريطانيا، واستفادت من وجود أعضاء لها داخل شرطة المستوطنات والشرطة التي أنشأها البريطانيون.
ومن أبرز من وقف وراء عصابات المستوطنين، التي تهاجم المستوطنين، الضابط البريطاني اورد تشارلز وينغيت، الذي شكل فرق الليل الخاصة، من عناصر من الهاغاناه وشرطة المستوطنات.
وشرعت فرق الليل، في شن هجمات ليلية ضد الفلسطينيين، وارتكبت فظائع بحقهم، وسهلت عمليات تهجير الفلسطينيين من أراضيهم بسبب الهجمات المستمرة.
غض الطرف عن المجازر
ولجأت بريطاني إلى غض الطرف عن مجازر العصابات الصهيونية، ومسلحي المستوطنات، عبر الادعاء أنها لم تكن تعلم بوقوع المجازر، أو تحركات المستوطنين.
وحتى بعد وقوع المجازر، ورغم أنها السلطة العسكرية القائمة بالاحتلال، وتمتلك الجيش، إلا أن المراسلات البريطانية كانت تزعم سيطرة العصابات الصهيونية على المناطق التي وقعت فيها مجازر مثل دير ياسين، وعدم القدرة على الدخول إليها للتحقيق، والاكتفاء بجلب شهادات عن أعداد الضحايا من الفلسطينيين، وتجاهل محاسبة العصابات أو وقف التسليح عنها.
شرعنة سرقة الأراضي
كما لجأت بريطانيا إلى أسلوب آخر لسرقة أراضي الفلسطينيين، عبر النص في المادة السادسة من صك الانتداب، على تشجيع الاستيطان على الأراضي الأميرية الفلسطينية، والأراضي غير المستعملة، والتي لا تحتاجها الدولة للأغراض العامة.
وكانت تذهب هذه الأراضي بكل سهولة لصالح المستوطنين، وإقامة البؤر والمستوطنات، وجلب المهاجرين اليهود إليها، وحرمان الفلسطينيين منها.

