‏ما الذي يُطبخ للشرق الأوسط؟

4

 

قراءة في ما وراء التصريحات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية

 

في السياسة، لا تكون المشكلة دائمًا في ما يُقال، بل في ما يُراد للآخرين أن يصدقوه.

 

ومن يتابع المشهد الأمريكي الإيراني اليوم سيجد نفسه أمام سيلٍ من التصريحات المتناقضة: تهديدٌ يتبعه حديثٌ عن التفاوض، عقوباتٌ تتزامن مع رسائل تهدئة، وتحذيراتٌ عسكرية تترافق مع فتح قنوات اتصال.

 

وللوهلة الأولى يبدو الأمر ارتباكًا.

 

لكن حين ننظر إلى الصورة من ارتفاعٍ أكبر، يظهر احتمالٌ آخر أكثر منطقية: أن المنطقة لا تعيش صراعًا حول ملف نووي فحسب، بل تعيش مرحلة إعادة ترتيب لموازين القوى التي حكمت الشرق الأوسط طوال العقدين الماضيين.

 

فالولايات المتحدة بعد سنوات الحروب والاستنزاف لم تعد تبحث عن إسقاط الأنظمة كما كانت تفعل في مراحل سابقة، بقدر ما تبحث عن إدارة التوازنات بأقل كلفة ممكنة.

 

وإيران، رغم ما تُظهره من تحدٍّ وثبات، تدرك أن النفوذ الذي توسع بسرعة خلال السنوات الماضية يواجه اليوم تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية تجعل المحافظة عليه أكثر صعوبة من بنائه.

 

أما إسرائيل، فترى نفسها أمام معضلة معقدة:

 

هي لا تريد حربًا إقليمية شاملة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد اتفاقًا يمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة قوتها الاقتصادية والسياسية.

 

ومن هنا يبدو أن الجميع يتحركون نحو الهدف نفسه ولكن بطرق مختلفة:

 

منع الانفجار الكبير… دون التخلي عن أوراق الضغط.

 

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

 

هل ستقع الحرب؟

 

ولا:

 

هل سيُوقَّع الاتفاق؟

 

بل أصبح:

 

ما هو شكل الشرق الأوسط الذي تحاول هذه القوى الوصول إليه؟

 

ذلك أن كل المؤشرات توحي بأن الصراع انتقل تدريجيًا من مرحلة كسر الخصم إلى مرحلة إعادة تعريف حدوده.

 

فالولايات المتحدة لا تبدو معنية بإخراج إيران نهائيًا من المعادلة الإقليمية، لأن الفراغ الكامل يحمل مخاطر لا تقل عن مخاطر النفوذ نفسه.

 

وإيران لا تبدو قادرة على فرض مشروعها الإقليمي بالشكل الذي كان مطروحًا قبل سنوات.

 

وإسرائيل لا تملك رفاهية تجاهل الواقع الجيوسياسي الجديد مهما بلغت قوتها العسكرية.

 

لهذا يبدو أن الجميع يتحرك داخل مساحة وسطى بين الحسم والتسوية.

 

وهنا تكمن النقطة التي يغفل عنها كثيرون.

 

فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ عادةً بتوقيع الاتفاقات، بل تبدأ حين تقتنع الأطراف المتصارعة أن استمرار المسار القديم أصبح أكثر كلفة من تعديله.

 

وهذا ما نشهده اليوم.

 

لسنا أمام انتصار أمريكي كامل.

 

ولا أمام انتصار إيراني كامل.

 

ولا أمام هزيمة مطلقة لأي طرف.

 

بل أمام محاولة لإنتاج توازن جديد يتيح لكل طرف أن يحتفظ بجزء من مصالحه ويتخلى عن جزء آخر.

 

أما العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، فليست ساحات منفصلة عن هذا المشهد كما يظن البعض.

 

بل هي الأماكن التي ستظهر عليها نتائج أي تفاهم أو فشل قبل أن تظهر في واشنطن أو طهران.

 

فإذا اتجهت الأمور نحو التهدئة، ستبدأ مرحلة إعادة تنظيم النفوذ والأدوار.

 

وإذا تعثرت، فإن التصعيد لن يكون بالضرورة حربًا شاملة، بل سلسلة من الضغوط المتبادلة ومحاولات تحسين الشروط قبل العودة إلى الطاولة نفسها.

 

ومن هنا أرى أن أكبر خطأ يقع فيه المتابعون هو التعامل مع الأحداث بمنطق الأبيض والأسود:

 

إما حرب أو سلام.

 

إما انتصار أو هزيمة.

 

بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

 

فالسياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح.

 

والمصالح لا تبحث دائمًا عن القضاء على الخصوم، بل كثيرًا ما تبحث عن ضبطهم وإدارتهم ومنعهم من تجاوز حدود معينة.

 

ولهذا أعتقد أن الأشهر المقبلة لن تكون اختبارًا لقدرة واشنطن على ضرب إيران، ولا لقدرة إيران على تحدي واشنطن، بل ستكون اختبارًا لقدرة الجميع على إنتاج معادلة إقليمية جديدة أكثر استقرارًا وأقل تكلفة.

 

وقد لا يكون أهم ما يجري اليوم هو ما نراه في العلن من تصريحات متبادلة.

 

بل ما يجري في الظل من محاولة لإعادة رسم خطوط النفوذ، وتحديد الأحجام، وتوزيع الأدوار، وصياغة شرق أوسط جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.

 

فحين تتكاثر الرسائل المتناقضة، وتتشابك الضغوط مع التفاهمات، وتتجاور التهديدات مع المفاوضات، يكون ذلك في كثير من الأحيان دليلًا على أن الأطراف لا تستعد لمعركة الحسم..بل تفاوض على شكل اليوم الذي يليها .

 

‎#ميان

التعليقات معطلة.