العراق يحتاج دولة… لا سلطة
الورقة الرابعة عشرة
المشروع الوطني بوصفه
طريق الخروج من مأزق الأيديولوجيات والدين السياسي إلى دولة المواطنة والمؤسسات
مقدمة
إذا كانت ثورة تشرين قد أعادت سؤال الدولة إلى الواجهة وكشفت عمق الأزمة الوطنية العراقية، فإن المشروع الوطني يحاول الانتقال من سؤال الاحتجاج إلى سؤال البناء، ومن تشخيص الخلل إلى البحث عن طريق الخروج منه.
لقد شهد العراق خلال العقود الأخيرة تجارب سياسية وفكرية متعددة، رفعت شعارات متباينة واختلفت في مرجعياتها وأدواتها، لكنها التقت في نتيجة واحدة: عجزها عن بناء الدولة الوطنية القادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة.
فبعد تراجع الأيديولوجيات الكبرى التي هيمنت على الحياة السياسية في القرن العشرين، من قومية ويسارية وغيرها، برز الدين السياسي بوصفه القوة الأكثر حضوراً في المشهد العراقي بعد عام 2003. غير أن هذه الهيمنة لم تنجح في إنتاج نموذج دولة حديثة أو مشروع وطني جامع، بل أسهمت في كثير من الأحيان في تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج الأزمات وتغليب الولاءات الفرعية على حساب المصلحة الوطنية.
ومع مرور أكثر من عقدين على التحول السياسي، وجد العراق نفسه أمام حالة من العقم السياسي والمتاهة الفكرية؛ إذ استُهلكت الشعارات، وتكررت الوعود، وتبدلت الوجوه، بينما بقيت الأزمة الوطنية قائمة بأشكال مختلفة.
ومن هنا تنبع أهمية المشروع الوطني بوصفه محاولة للخروج من دائرة الصراع الأيديولوجي إلى فضاء الدولة، ومن منطق الهيمنة السياسية إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن الولاءات الضيقة إلى مفهوم المواطنة الجامعة.
أولاً: أزمة العراق ليست أزمة أشخاص بل أزمة أفكار حاكمة
لقد أثبتت التجربة العراقية أن تغيير الأشخاص لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج ما دامت البنية الفكرية والسياسية التي تنتج الأزمة ما زالت قائمة.
فالمشكلة الأساسية لم تكن في الحكومات المتعاقبة وحدها، بل في طبيعة المنظومة الفكرية التي أدارت الدولة، والتي تعاملت مع السلطة باعتبارها غاية بحد ذاتها لا وسيلة لبناء الوطن وخدمة المواطنين.
وعندما تتحول السياسة إلى ساحة لتصفية الصراعات الأيديولوجية أو المذهبية أو الحزبية، تصبح الدولة نفسها رهينة لهذه الصراعات، ويتراجع مفهوم المصلحة العامة أمام المصالح الخاصة والفئوية.
لذلك فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي لا بد أن يبدأ من مراجعة الأفكار التي حكمت المرحلة السابقة، لا من مجرد استبدال القوى التي حملتها.
ثانياً: نهاية عصر الأيديولوجيات المغلقة
لا يمكن بناء دولة حديثة في القرن الحادي والعشرين على أساس عقائد سياسية مغلقة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
لقد عرف العراق تجارب متعددة حملتها تيارات قومية ويسارية وإسلامية، ورغم اختلاف مرجعياتها فإنها وقعت غالباً في الإشكالية ذاتها: تقديم الأيديولوجيا على الدولة، والانتماء العقائدي على الانتماء الوطني.
والمشكلة هنا لا تكمن في هوية الأيديولوجيا، بل في تحويلها إلى مرجعية أعلى من الدولة نفسها.
فالأيديولوجيات حين تتحول إلى مرجعية نهائية للدولة تصبح عاجزة عن التكيف مع الواقع المتغير، وتفقد قدرتها على معالجة المشكلات الحقيقية للمجتمع.
لقد أثبتت تجارب العالم أن الدول الناجحة لم تُبنَ على انتصار أيديولوجية معينة، بل على قوة مؤسساتها وكفاءة إدارتها واحترامها للقانون وحقوق المواطنين.
ومن هنا فإن المشروع الوطني لا يسعى إلى استبدال أيديولوجية بأخرى، بل إلى تجاوز منطق الهيمنة الأيديولوجية نفسه، والانتقال إلى منطق الدولة التي تتسع لجميع مواطنيها على اختلاف أفكارهم وانتماءاتهم.
ثالثاً: تجاوز الدين السياسي لا تجاوز الدين
إن نقد الدين السياسي لا يعني بأي حال من الأحوال معاداة الدين أو التقليل من مكانته في حياة المجتمع.
فالدين يمثل مكوناً أساسياً من الهوية الثقافية والقيمية للعراقيين، وسيبقى كذلك.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الدين من منظومة قيم وأخلاق إلى أداة للصراع السياسي أو وسيلة للهيمنة على الدولة واحتكار تمثيل المجتمع.
لقد أثبتت التجربة أن خلط المقدس بالسياسي يؤدي إلى إضعاف كليهما معاً؛ إذ تتضرر الدولة من غياب الحياد والمؤسسية، ويتضرر الدين من إدخاله في صراعات السلطة ومصالحها.
لذلك يدعو المشروع الوطني إلى دولة تحترم الدين وتحمي حريته ومكانته الاجتماعية، لكنها لا تسمح بتحويله إلى وسيلة للهيمنة السياسية أو بديلاً عن مؤسسات الدولة والقانون.
رابعاً: ما هو المشروع الوطني؟
المشروع الوطني ليس حزباً سياسياً، ولا أيديولوجية جديدة، ولا محاولة لإنتاج نخبة بديلة تحل محل النخب القائمة.
إنه إطار فكري وسياسي يجعل الدولة المرجعية العليا للجميع، ويضع المصلحة الوطنية فوق جميع الانتماءات الفرعية، ويقيس نجاحه بقدرة الدولة على خدمة مواطنيها وتحقيق العدالة والاستقرار والتنمية.
فالمشروع الوطني لا يسعى إلى انتصار فئة على أخرى، بل إلى بناء دولة يشعر الجميع أنهم شركاء فيها ومتساوون أمام قانونها.
خامساً: الدولة الوطنية بوصفها الإطار الجامع
يقوم المشروع الوطني على فكرة مركزية مفادها أن الدولة يجب أن تكون المرجعية العليا للجميع.
فلا يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة في ظل تعدد المرجعيات السياسية وتنازع مصادر القرار.
كما أن نجاح الدول لا يقاس بقوة الحكومات وحدها، بل بقوة المؤسسات واستقرارها.
فالحكومات تتغير، أما الدولة فتبقى.
ولهذا فإن المشروع الوطني ينطلق من بناء دولة قوية بمؤسساتها لا بأشخاصها، وقادرة بقوانينها لا بولاءاتها، بحيث يصبح الانتماء الوطني هو الرابط الأعلى الذي يجمع العراقيين.
الدولة الوطنية ليست شعاراً عاطفياً، بل منظومة مؤسسات وقوانين وسياسات تضمن المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص وتحقيق المصلحة العامة.
سادساً: العلم والمعرفة أساس النهضة الوطنية
إن أحد أهم أسباب تعثر العراق خلال العقود الماضية هو تراجع دور العلم في صناعة القرار العام.
فالأمم لا تنهض بالشعارات، بل بالمعرفة والتخطيط والكفاءة والإدارة الرشيدة.
كما لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الغنيمة السياسية، لأن إدارة الدولة في العصر الحديث أصبحت علماً قائماً على البيانات والمؤشرات وقياس الأداء والتخطيط طويل الأمد.
لذلك يجعل المشروع الوطني من العلم والمعرفة ركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة، من خلال:
تطوير التعليم والبحث العلمي.بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإنتاج.
اعتماد التخطيط العلمي في إدارة الموارد.
تمكين الكفاءات والخبرات الوطنية.
ربط السياسات العامة بالمؤشرات والحقائق لا بالشعارات والانفعالات.
فالمستقبل لا تصنعه الخطابات، وإنما تصنعه العقول والمؤسسات.
سابعاً: العدالة الاجتماعية والمواطنة وسيادة القانون
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا بقي المواطن يشعر بالتمييز أو التهميش أو غياب العدالة.
ولهذا فإن المشروع الوطني يضع في صلب أهدافه:
بناء دولة المواطنة المتساوية.
ضمان العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
مكافحة الفساد بوصفه خطراً وطنياً شاملاً.
ترسيخ استقلال القضاء.
فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
حماية الحقوق والحريات العامة.
فالمواطنة ليست مجرد انتماء قانوني، بل شعور عملي بأن الدولة تتعامل مع الجميع على أساس الحقوق والواجبات لا على أساس الانتماءات الفرعية.
ثامناً: المشروع الوطني بوصفه بداية مرحلة جديدة
لا يدّعي هذا المشروع أنه يقدم حلولاً سحرية أو وصفات جاهزة لكل مشكلات العراق.
لكنه يسعى إلى تقديم إطار فكري وطني يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس أكثر استقراراً وعدالة وفاعلية.
فالعراق لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الصراعات الأيديولوجية، ولا إلى إعادة تدوير الأزمات القديمة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية تعيد تعريف السياسة بوصفها أداة لخدمة المجتمع، لا وسيلة للهيمنة عليه.
خاتمة
بعد عقود من الصراعات والانقسامات والتجارب المتعثرة، تبدو الحاجة إلى مشروع وطني جامع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فالعراق لا يعاني من نقص في الثروات أو الإمكانات البشرية أو العمق الحضاري، بل يعاني من غياب الإطار الوطني القادر على توجيه هذه الإمكانات نحو بناء دولة حديثة عادلة وقادرة.
ومن هنا تأتي هذه الأوراق بوصفها مساهمة فكرية في البحث عن طريق مختلف؛ طريق يخرج العراق من أسر الأيديولوجيات المغلقة والدين السياسي المتنازع عليه، إلى فضاء الدولة الوطنية الجامعة، دولة المؤسسات والقانون والمواطنة والعدالة.
إن المشروع الوطني ليس مشروع جيل أو حزب أو فئة، بل مشروع وطن يبحث عن نفسه بعد سنوات طويلة من الضياع، ويطمح إلى استعادة الدولة بوصفها بيتاً لجميع أبنائه، وإعادة السياسة إلى وظيفتها الطبيعية: خدمة الإنسان، وصون الكرامة، وبناء المستقبل.
فالدول لا تنهض حين تنتصر جماعة على أخرى، بل حين ينتصر الوطن على الانقسامات التي أنهكته.
والمشروع الوطني لا يسأل: من يحكم العراق؟
بل يسأل:
كيف تُبنى الدولة التي تحكم الجميع بالقانون؟
غداً: العراق بين المشاريع المستوردة والمشروع الوطني المفقود.

