هل الحرب الأمريكية الإيرانية مبرمجة سابقاً؟

4

حجي مراد

في كل مرة ترتفع فيها حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ما نشهده مجرد نتيجة طبيعية لتراكم الخلافات والصراعات، أم أن الحرب كانت مبرمجة منذ سنوات، وأن ما يحدث اليوم ليس سوى تنفيذ لمراحل وضعت مسبقاً؟

السؤال ليس بسيطاً، لأن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تكن يوماً علاقة خلاف عابر. فمنذ عقود، تشكلت بين الطرفين معادلة معقدة تجمع بين العقوبات والتهديدات العسكرية والمفاوضات السرية والعلنية، وحروب الوكلاء، والملف النووي، والنفوذ الإقليمي.

لكن الفرق كبير بين القول إن الطرفين كانا يستعدان لاحتمال الحرب، وبين القول إن الحرب كانت مخططاً لها سلفاً بكل تفاصيلها.

هل كانت الحرب هدفاً أم احتمالاً؟

من الصعب تصور أن الولايات المتحدة أو إيران تدخلان مواجهة عسكرية كبرى من دون إعداد خطط وسيناريوهات مسبقة. الدول الكبرى تضع دائماً خططاً للحرب والطوارئ، والجيوش تستعد لأسوأ الاحتمالات.

لكن وجود خطة عسكرية لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُخذ مسبقاً.

قد تكون واشنطن قد أعدت خططاً لضرب أهداف إيرانية، وقد تكون طهران قد أعدت خططاً للرد، لكن هذا شيء، والقول إن الطرفين اتفقا أو خططا مسبقاً لوقوع الحرب شيء آخر يحتاج إلى أدلة حقيقية.

سنوات من التصعيد

ما يجعل نظرية «الحرب المبرمجة» تبدو مقنعة للبعض هو أن التصعيد لم يبدأ بالأمس.

العقوبات الاقتصادية، والملف النووي الإيراني، والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وعمليات الاغتيال والاستهداف، والهجمات المتبادلة، والتوتر في الخليج، والصراع في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة، كلها صنعت بيئة إقليمية قابلة للاشتعال.

وعندما تتراكم هذه الملفات لسنوات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا بدأت الحرب الآن؟

بل: لماذا لم تبدأ قبل ذلك؟

إيران والولايات المتحدة… صراع المصالح

واشنطن تريد منع إيران من التحول إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

أما إيران فتريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وحماية أمنها، وامتلاك أوراق قوة تمنع خصومها من فرض شروطهم عليها.

وبين هذين المشروعين، أصبح الشرق الأوسط مسرحاً لتنافس طويل الأمد.

ولهذا فإن أي مواجهة بين الطرفين لا يمكن فهمها باعتبارها مواجهة ثنائية فقط؛ لأن آثارها تمتد إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن وإسرائيل وتركيا والأسواق العالمية.

هل هناك من يريد الحرب؟

نعم، داخل كل أزمة كبيرة توجد أطراف قد ترى في الحرب مصلحة لها.

هناك من يعتقد أن إضعاف إيران عسكرياً يخدم إعادة ترتيب المنطقة، وهناك من يرى أن ضرب المصالح الأمريكية يمكن أن يغير قواعد اللعبة، وهناك دول وقوى إقليمية قد تراهن على نتيجة معينة.

لكن وجود أطراف مستفيدة من الحرب لا يعني أنها هي التي صنعت الحرب.

وهنا يجب أن نفرق بين التخطيط للحرب، والاستعداد لها، والاستفادة منها بعد وقوعها.

هذه ثلاثة أمور مختلفة.

المنطقة قد تكون هي الخاسر الأكبر

المشكلة أن الحرب بين واشنطن وطهران لن تبقى بالضرورة محصورة بينهما.

كلما اتسعت المواجهة، زادت احتمالات انتقالها إلى دول أخرى، خصوصاً الدول التي توجد فيها قوات أمريكية أو قوى مرتبطة بإيران.

وهنا يظهر العراق في أخطر موقع.

فالعراق لا يريد أن يكون طرفاً في حرب لا يقررها، ولا يريد أن تتحول أراضيه إلى ساحة لتبادل الضربات.

العراق يحتاج إلى سياسة واضحة: علاقات جيدة مع الجميع، لكن القرار الأمني والعسكري يجب أن يكون عراقياً، وأراضيه لا ينبغي أن تكون منصة للاعتداء على أي دولة ولا ساحة للرد على اعتداءات الآخرين.

هل الحرب مبرمجة؟

ربما يكون الأدق ألا نسأل فقط: «هل الحرب مبرمجة؟»

بل نسأل:

هل كانت المنطقة تسير منذ سنوات نحو مواجهة جعلت الحرب احتمالاً متوقعاً؟

الجواب على هذا السؤال أقرب إلى نعم.

أما القول إن هناك غرفة مغلقة وضعت فيها خطة كاملة للحرب، وحددت فيها التوقيت والأهداف والنتائج مسبقاً، فهذا ادعاء أكبر بكثير ويحتاج إلى أدلة ووثائق، وليس إلى مجرد تشابه الأحداث أو تسلسلها.

السياسة الدولية لا تعمل دائماً وفق سيناريو مكتوب من البداية. أحياناً تبدأ الدول بخطة، ثم تفرض الأحداث عليها خطة أخرى. وقد تبدأ المواجهة بعملية محدودة، ثم تتوسع بسبب الردود المتبادلة وسوء الحسابات.

وهنا تكمن أخطر نقطة.

الحرب قد تبدأ بقرار… ثم تصبح خارج السيطرة

التاريخ مليء بالحروب التي لم تبدأ بالطريقة التي انتهت بها.

قد يعتقد طرف أنه يوجه ضربة محدودة، فيرد الطرف الآخر بقوة أكبر. ثم يأتي رد ثالث، وتتدخل أطراف أخرى، ويصبح التراجع أصعب من الاستمرار.

ولهذا فإن أخطر شيء في المواجهة الأمريكية الإيرانية ليس فقط احتمال أن يكون هناك من يريد الحرب، بل احتمال أن يبدأ التصعيد ثم يفقد الجميع القدرة على التحكم في مساره.

العراق أمام امتحان جديد

إذا اتسعت المواجهة، فإن العراق سيكون أمام اختبار حقيقي لسيادته.

فموقع العراق يجعله قريباً من جميع أطراف الصراع، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وإيران في الوقت نفسه تجعله أكثر حساسية تجاه أي تصعيد.

ولهذا فإن مصلحة العراق ليست في اختيار محور ضد محور، وإنما في بناء دولة قادرة على حماية أراضيها وقرارها، والتعامل مع جميع الأطراف وفق مصلحة العراق أولاً.

العراق القوي ليس الذي يدخل كل حرب، ولا الذي يبتعد عن الجميع، بل الذي يستطيع أن يقول لأصدقائه وخصومه في الوقت نفسه:

هذه أرض العراق، وهذا قرار العراق، ولن نسمح بأن تتحول بلادنا إلى ساحة لتصفية الحسابات.

الخلاصة

قد تكون الحرب الأمريكية الإيرانية نتيجة خطط واستعدادات طويلة، وقد يكون لدى الطرفين منذ سنوات سيناريوهات لمواجهة عسكرية محتملة.

لكن بين «الاستعداد للحرب» و«برمجة الحرب مسبقاً» مسافة كبيرة.

والأخطر من البحث عن إجابة نظرية هو إدراك أن استمرار التصعيد قد يجعل الحرب أمراً واقعاً حتى لو لم يكن أحد قد خطط لها منذ البداية.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط:

هل الحرب مبرمجة؟

بل:

من يستطيع إيقافها قبل أن تتحول من خطة محتملة إلى واقع لا يستطيع أحد السيطرة عليه؟

وفي هذه المعادلة، لا ينبغي للعراق أن ينتظر حتى تبدأ النار ليقرر أين يقف.

فالسياسة الذكية تبدأ قبل الحرب، لا بعدها.

التعليقات معطلة.