ليس اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان تفصيلًا عابرًا في المشهد الإقليمي، ولا مجرد تفاهم دفاعي جديد يمكن وضعه على رف الاتفاقات التي عرفتها المنطقة ثم طواها النسيان. ما يجري أبعد من ذلك.
إنه مؤشر على أن الشرق الأوسط بدأ يبحث عن معادلة أمنية جديدة، في وقت تتراجع فيه قدرة الترتيبات القديمة على حماية الدول، وتتسع فيه دائرة التهديدات، وتعيد دول المنطقة حساباتها على أساس المصالح والسيادة والأمن الوطني.
وفي قلب هذا التحول يقف العراق أمام فرصة ربما لا تتكرر بسهولة.
السؤال ليس: هل ينضم العراق إلى تحالف مكة؟
السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع العراق أن يدخل هذه المنظومة بوصفه العراق، لا بوصفه مذهبًا، ولا تابعًا لمحور، ولا ساحة نفوذ لدولة أخرى؟
هنا تبدأ القضية الحقيقية.
فإذا دخل العراق إلى أي ترتيب إقليمي جديد باعتباره «العضو الشيعي» في منظومة يُراد لها أن تُقرأ على أساس مذهبي، فإنه لن يكون قد استعاد دوره، بل سيكون قد كرّس الصورة التي عانى منها منذ عام ٢٠٠٣: العراق بوصفه ساحة للصراع الطائفي والإقليمي، لا دولة تصنع سياستها وتحدد مصالحها.
أما إذا دخل بوصفه دولة عربية ذات سيادة، وثقل جغرافي واستراتيجي، وتاريخ سياسي لا يمكن تجاوزه، فإن المعادلة ستختلف بالكامل.
العراق هنا لا يصبح عضوا رابعا فحسب، بل يستطيع أن يغير معنى التحالف نفسه.
من تحالف يُفسر مذهبيا إلى إطار أمني إقليمي مفتوح أمام الدول التي تحترم سيادة بعضها بعضا، وترفض استخدام أراضيها منصة للعدوان، وتؤمن بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على إقصاء دولة أو مذهب، وإنما على المصالح المشتركة والتوازن والردع.
وهذه تحديدا هي اللحظة التي ينبغي أن تتوقف فيها بغداد عن الانتظار.
فالمنطقة لا تنتظر العراق.
الدول تتحرك، وتبني شراكاتها، وتعيد تشكيل حساباتها الأمنية، بينما ما يزال العراق عالقا في سؤال داخلي قديم: كيف يرضي هذا الطرف أو ذاك؟
لكن الدولة التي تقيس قراراتها الخارجية بمقدار رضا الآخرين، لا تستطيع أن تكون دولة فاعلة.
العراق لا يحتاج إلى استئذان كي يعود.
هو ليس دولة طارئة على المنطقة، ولا ضيفًا يحتاج إلى بطاقة دخول. العراق أحد مراكز الثقل التاريخية في الشرق الأوسط، وموقعه الجغرافي وحده يجعله جزءًا أساسيا من أي منظومة أمن إقليمي حقيقية.
ولهذا فإن بقاء العراق خارج ترتيبات المنطقة الجديدة ليس حيادا بالضرورة؛ قد يكون في بعض الأحيان تنازلًا عن موقعه لمصلحة الآخرين.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال أكثر صراحة:
من المستفيد من بقاء العراق خارج الطاولة بينما يعاد ترتيب الطاولة من حوله؟
ومن المستفيد من إبقاء العراق أسيرا للانقسام المذهبي، فيما تتحرك الدول الأخرى بمنطق المصالح والقوة والأمن؟
ومن المستفيد من أن يبقى العراق ملعبا تتصارع فوقه المشاريع الإقليمية والدولية بدل أن يتحول إلى دولة تفرض مصالحها على الجميع؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات دبلوماسية.
العراق بحاجة إلى قرار سياسي واضح: نحن لا ندخل محورا ضد محور، ولا نتحالف ضد شعب أو دولة، وإنما ندخل أي منظومة إقليمية تخدم أمن العراق وسيادته ومصالحه.
وهنا بالضبط يمكن للعراق أن يفاجئ المنطقة.
فبدل أن يدخل تحالف مكة بوصفه رقما إضافيا، يمكنه أن يطرح مشروعا أوسع: تحويل هذه الشراكة إلى نواة لمنظومة أمن إقليمي لا تُبنى على الطائفة، ولا على الاستقطاب، ولا على التبعية، وإنما على مفهوم الدولة.
وهذه ستكون، في حد ذاتها، ضربة سياسية كبيرة للطائفية.
فالطائفية ازدهرت عندما جرى اختزال الدول في مذاهبها.
أما عندما يقول العراق: أنا دولة، قبل أن أكون أي شيء آخر، فإنه لا يدافع عن نفسه فقط، بل يضرب إحدى أهم الأدوات التي استُخدمت لتقسيم المنطقة وإبقاء العراق في حالة صراع دائم مع محيطه.
العراق يستطيع أن يقول للسعودية وتركيا وباكستان وللعالم كله: نحن مع أمن المنطقة، ولكننا لا نريد أن نكون جزءًا من صراع مذهبي جديد.
ونحن مع الشراكات الدفاعية، ولكننا لا نقبل أن تتحول أراضينا إلى منصة للعدوان على الآخرين.
ونحن مع علاقات متوازنة مع الجميع، ولكن سيادة العراق ليست ورقة تفاوض.
هذه ليست لغة محور.
هذه لغة دولة.
وإذا امتلكت بغداد شجاعة هذا الموقف، فإن دخولها إلى تحالف مكة يمكن أن يتحول من مجرد اتفاق أمني إلى لحظة سياسية فاصلة في تاريخ العراق الحديث.
لأن القضية في النهاية ليست مقعدًا للعراق حول طاولة جديدة.
القضية هي: ماذا سيفعل العراق عندما يجلس على تلك الطاولة؟
هل سيكون تابعا؟
أم سيكون شريكا؟
هل سيذهب لطلب الحماية؟
أم سيذهب للمساهمة في صناعة الأمن الإقليمي؟
هل سيذهب ممثلًا لمذهب؟
أم ممثلًا لدولة؟
الفارق بين الإجابات هو الفارق بين عراق يبقى أسيرا للماضي، وعراق يبدأ بصناعة المستقبل.
لقد دفع العراق ثمنا باهظا خلال عقدين بسبب غياب المشروع الوطني الواضح، وبسبب تحويل أرضه إلى مساحة مفتوحة لتصارع النفوذ والمصالح.
ولذلك فإن العودة إلى الدور العربي والإقليمي لا تبدأ بخطاب عن “العراق التاريخي” ، بل بقرار عملي يعيد تعريف العراق على أنه دولة صاحبة قرار، لا ساحة مفتوحة للقرارات الخارجية.
تحالف مكة يمكن أن يكون إحدى بوابات هذه العودة.
لكن بشرط واحد: أن تدخل بغداد إليه بعقل الدولة، لا بعقل المحور.
عندها فقط يصبح دخول العراق أكثر من انضمام إلى اتفاق.
يصبح إعلانا سياسيا بأن مرحلة العراق التابع للمحاور يجب أن تنتهي، وأن مرحلة العراق الذي يصنع توازناته بنفسه يجب أن تبدأ.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد يحتاج العراق إلى سنوات طويلة لاستعادة نفوذه إذا بقي يكرر الطرق القديمة.
لكنه قد يحتاج إلى قرار سياسي واحد شجاع ليبدأ تغيير الاتجاه.
دخول العراق في منظومة أمن إقليمية جديدة، بشروط الدولة ومصالحها وسيادتها، يمكن أن يكون ذلك القرار.
فالعراق لا يحتاج إلى سنوات كي يستعيد مكانته بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تعرف أين تقف، ومع من تتعاون، وما الذي ترفضه.
العراق ليس ضيفا على الشرق الأوسط.
العراق جزء من توازناته.
وليس مطلوبا منه أن يختار بين إيران والعرب، أو بين الشرق والغرب، أو بين محور ومحور.
المطلوب أن يختار العراق.
فإذا دخل تحالف مكة، فليدخله لا ليكون “الرقم الرابع” ، بل ليكون الدولة التي تدفع بالتحالف من منطق الاصطفاف إلى منطق الأمن الإقليمي.
وحينها ستكون الضربة السياسية واحدة، لكن نتائجها أكبر بكثير من الاتفاق نفسه:
العراق يستعيد موقعه العربي، ويستعيد قراره، ويكسر القيد الطائفي، ويعود لاعبا في الإقليم بدل أن يبقى ملعبا للاخرين .
والسؤال الذي سيبقى أمام بغداد ليس: هل حان وقت العودة؟
بل:
إذا لم يعد العراق الآن… فمتى يعود؟

