توم باراك يقود انقلاب بارد في قواعد اللعبة العراقية؟

8

 

 

ليست كل التحولات السياسية تبدأ بإطلاق النار، ولا كل الانقلابات تحتاج إلى الدبابات. فالتاريخ الحديث يعرف نوعاً آخر من التغيير، أكثر هدوءاً وأبعد أثراً، يُدار عبر إعادة ترتيب موازين القوة، وصناعة التفاهمات، وإعادة تعريف الأولويات، واختيار الشركاء القادرين على إدارة المرحلة الجديدة. إنه ما يمكن وصفه بـ”الانقلاب البارد”.

لكن هذا الانقلاب، إن صح التعبير، لا يستهدف إسقاط الحكومات، بل تغيير قواعد اللعبة نفسها. فهو انتقال من مرحلة تُدار فيها الدولة بمنطق موازين القوى، إلى مرحلة يُراد لها أن تُدار بمنطق الدولة، والاستقرار، والاقتصاد، والمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، يصبح من الممكن قراءة تحركات توم باراك باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي أوسع، لا يقتصر على إدارة العلاقة مع بغداد، بل يتصل بإعادة تعريف موقع العراق في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه الشرق الأوسط.

فواشنطن لم تعد تنظر إلى العراق بعين عام ٢٠٠٣. فالأولوية لم تعد إدارة الاحتلال، ولا حتى إدارة الحرب على الإرهاب، بل بناء شريك إقليمي قادر على حماية المصالح الأمريكية في بيئة تشهد منافسة متصاعدة مع الصين، واحتواءً للنفوذ الإيراني، وإعادة تشكيل خرائط الطاقة والممرات الاقتصادية. ومن هنا، لم يعد السؤال: من يحكم العراق؟ بل كيف يُحكم العراق؟

ومن يتابع مسار الأحداث منذ زيارة توم باراك إلى بغداد، يجد سلسلة من الوقائع التي تستحق التأمل. لقاءات مع مراكز القرار، من بينها رئيس مجلس القضاء الأعلى، ثم بروز علي الزيدي، وهو شخصية لم تخرج من قلب المنظومة الحزبية التقليدية، ولم يكن مرشحاً في الانتخابات، قبل أن تأتي زيارته إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تبعه من تفاهمات اقتصادية واستثمارية، لتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة التي يجري الإعداد لها.

 ان تتابع الوقائع يسمح بقراءة سياسية ترى أن واشنطن لم تكن تبحث عن تغيير الأشخاص بقدر ما كانت تعمل على تغيير قواعد المرحلة، والبحث عن شريك قادر على التعامل مع متطلبات العراق الجديدة.

وهنا تبرز نقطة جوهرية. فملفات الأمن، وحصر السلاح بيد الدولة، والطاقة، والاستثمار، والشراكات الاقتصادية، لا تبدو ملفات منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد. لأن الدولة التي يُراد لها أن تكون شريكاً اقتصادياً موثوقاً لا يمكن أن تبقى ساحةً لتعدد مراكز القرار، ولا بيئةً طاردة لرأس المال.

ومن هنا، يمكن فهم الدور الذي أداه توم باراك باعتباره أقرب إلى إدارة انتقال هادئ في طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، أكثر من كونه إدارة أزمة عابرة. فالتحولات الكبرى لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بالمسارات التي تبدأ بصمت، ثم تكشف نتائجها مع مرور الوقت.

ولعل ما يعزز هذه القراءة أن التحركات لم تتوقف عند واشنطن، بل تبعتها انفتاحات إقليمية متسارعة، من بينها الدعوة الرسمية التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى رئيس الوزراء العراقي، فضلاً عن حراك دبلوماسي متزايد يعكس أن العراق عاد ليحتل موقعاً متقدماً في حسابات الإقليم، بعد سنوات كان فيها جزءاً من أزماته أكثر من كونه جزءاً من معادلات الحل.

 وإن ما يجري اليوم لا يمثل انقلاباً على أشخاص، بل على معادلة حكم استمرت أكثر من عقدين. إنه انتقال تدريجي من عراق تُعرّفه موازين القوى إلى عراق يُراد أن تُعرّفه الدولة، والاستثمار، والاقتصاد، وسيادة القانون.

وقد يختلف المراقبون في توصيف ما يجري داخل العراق، لكنهم سيتفقون على حقيقة واحدة: أن قواعد اللعبة التي تشكلت بعد عام

 لم تعد ثابتة كما كانت. وإذا كانت التحولات الكبرى تُقاس بنتائجها لا بضجيجها، فإن التاريخ قد يكتب يوماً أن توم باراك لم يكن مجرد مبعوث أمريكي زار بغداد، بل أحد مهندسي التحول الهادئ في العراق. أما نجاح هذا التحول أو تعثره، فلن تحدده واشنطن وحدها، بل قدرة العراقيين على تحويل هذه اللحظة إلى مشروع دولة، لا إلى مجرد تبدل في موازين القوى.

التعليقات معطلة.