الإنسان الأعلى.. أو الأوبرمنش

7

 

سعاد فهد المعجل

تناول الفيلسوف نيتشه فكرة الأوبرمنش، أو الإنسان المتفوق في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، وعلى الرغم من أن نظرية نيتشه هنا لا تتحدّث عن تفوّق فرد أو عرق أو شعب ضد آخر، إلا أن النازيين استغلوها لتبرير تفوّق هتلر ورفاقه آنذاك.

جوهر نظرية الأوبرمنش تقوم على أن الإنسان يجب أن يخلق قيمه بنفسه، وأن يتحمّل مسؤولية حياته، ويحوّل المعاناة والظروف الصعبة إلى قوة وعزيمة، وألا تهزمه سقوط بعض القيم التي كانت يوماً ما شبه ثابتة، بل عليه دائماً إيجاد قِيَم جديدة تتلاءم مع واقع متغيّر دائماً.

اليوم، وفي ظل الفوضى السياسية والأخلاقية والقِيَميّة التي يشهدها العالم، قد نستطيع استعادة فلسفة نيتشه هنا وإسقاطها على عالم جديد فَقَدَ تقريبًا كل القواعد التي حكمت العلاقات الدولية، ومنذ الحرب العالمية الثانية، فلم يعد هنالك مكان لمواثيق كحقوق الإنسان واتفاقيات الحروب، والقانون الدولي، ومحكمة العدل الدولية، لم تعد أغلب المواثيق والاتفاقيات الدولية فاعلة أو معمول بها، فاتفاقيات،

كاتفاقية جنيف ومحكمة العدل الدولية والقانون الدولي، أصبحت قائمة فقط على الورق، بينما على أرض الواقع فإنها أصبحت انتقائية حتى أصبح معها التوصّل إلى توافق داخل مجلس الأمن شبه مستحيل، وأصبح تطبيق القانون الدولي خاضعاً لموازين القوى أكثر من كونه قانوناً لتنظيم العلاقات والتنافس بين الدول، وبحيث فَقَدَ العالم وشعوبه ثقته بفاعلية تلك المؤسسات بعد أن رأى أنها محدودة الفاعلية اليوم.

ومثلما رأى نيتشه بأن العالم يواجه فراغاً في القِيَم إثر تراجع الموروثات والتقاليد القديمة، كذلك أصبح العالم اليوم، الذي يعاني من فراغ قِيَمي رهيب على المستوى السياسي والفكري، ما يستدعي خلق قِيَم جديدة وآليات ومؤسسات للتعامل مع واقع جديد أفرزه سقوط مدو لكل القِيَم القديمة.

فعلى سبيل المثال، لم تعد القوانين والقواعد والمرجعيات التي حَكَمَت العلاقات الدولية من بعد الحرب العالمية الثانية قائمة. في حالة الحرب على غزة ولبنان والحرب في الشرق الأوسط، لم تعد حماية المدنيين في الحروب فاعلة، ولم تعد جريمة تهجير الناس قائمة، ولم يعد احترام القانون الدولي الإنساني نافذًا. أصبحت كل دولة تفسّر القوانين والمبادئ والمواثيق وفقاً لأهدافها ومصالحها. فأمريكا تقصف النظام الإيراني من بوارجها المنتشرة في المياه الإقليمية، وهو يقصف دول الخليج في المقابل. إسرائيل تتمدد في غزة وجنوب لبنان وتستولي على أراضٍ وتفجر مباني وبيوتا وتُهجّر سكانا مدنيين، دون أن يردعها قانون دولي أو اتفاقيات جنيف أو فيينا.

والسؤال عما إذا كانت القواعد والمواثيق الدولية قد فَقَدَت سلطتها الأخلاقية أصبح اليوم مطروحاً وبقوة، خاصة في ظل الضعف والتراجع الذي تعاني منه المؤسسات الدولية تجاه الأحداث السياسية والحروب الراهنة.

من المشاهدات في الحروب الأخيرة، واضح أن الأمم المتحدة لم تعد لها سُلطَة على بعض الدول الكبرى، وبالتالي تتراجع الثقة فيها لدى الرأي العام العالمي، فهل يكون الحل في أعادة صياغة مثل هذه العلاقات التي حَكَمَت العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أو الاستمرار في الفوضى واليأس الجماعي العالمي؟ بمعنى آخر هل أصبحت الحاجة مُلحّة لإعادة التوازن الأخلاقي السياسي في العالم؟

سعاد فهد المعجل

التعليقات معطلة.