ثورة تموز 1958… بين حلم العدالة الاجتماعية وصراع المحاور الدولية

6

 

 

قراءة تاريخية تبحث عن الحقيقة بعيدا عن التمجيد والإدانة

 

ليس أصعب من كتابة التاريخ إلا قراءته بإنصاف. فالأحداث الكبرى لا تُقاس بعواطف مؤيديها أو خصومها، بل بما أحدثته من تحولات في حياة الأمم. ولعل ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ تمثل أوضح مثال على ذلك؛ فهي واحدة من أكثر المحطات إثارةً للجدل في التاريخ العراقي الحديث، حتى بدا العراقيون، بعد مرور ثمانية وستين عاما عليها، وكأنهم ما زالوا يختلفون حولها أكثر مما يتفقون عليها.

فريق يراها ثورةً وطنية أنهت النظام الملكي وحررت العراق من مرحلة ارتبطت بالنفوذ البريطاني، وفتحت الباب أمام العدالة الاجتماعية وصعود الفئات المحرومة إلى قلب الحياة السياسية. وفريق آخر يعدّها انقلابا عسكربا أنهى تجربة دستورية وأدخل العراق في عصر الانقلابات العسكرية والصراعات التي استمرت لعقود.

غير أن الحقيقة التاريخية لا تقف عند أي من هذين الطرفين، لأن الرابع عشر من تموز كان أكبر من أن يُختزل في شعار، أو يُحاكم بمنطق الأبيض والأسود.

لقد جاء ذلك اليوم تتويجا لتراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية عاشها العراق في السنوات الأخيرة من العهد الملكي. فذلك العهد، رغم ما حققه من إنجازات مهمة في بناء مؤسسات الدولة والإدارة الحديثة والتعليم والبنية التحتية، لم يعد قادرا على استيعاب التحولات العميقة داخل المجتمع العراقي، واتسعت الفجوة بين السلطة وشرائح واسعة من المواطنين، فتزايد الشعور بأن الإصلاح لم يعد ممكنا ضمن البنية السياسية القائمة.

ولهذا لم تكن حركة الضباط الأحرار حدثا عسكريا معزولًا، بل وجدت حاضنة شعبية واسعة، ولا سيما بين الفقراء والطبقات البسيطة التي رأت في الجمهورية الجديدة وعدا بالعدالة والكرامة. ومن هنا يمكن فهم الشعبية الاستثنائية التي حظي بها الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي بقي، حتى لدى كثير من خصومه، نموذجا للنزاهة الشخصية والزهد في السلطة، وهي ميزة نادرة في تاريخ الحكم العراقي.

ولم تكن ثورة الرابع عشر من تموز حدثا عراقيا معزولًا عن حركة التاريخ، بل جاءت في مرحلة كانت تشهد فيها خريطة العالم تحولات كبرى. فبعد الحرب العالمية الثانية، أخذت الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية تتراجع، وارتفعت رايات الاستقلال في آسيا وإفريقيا، وسقطت أنظمة ملكية في أكثر من بلد، وصعدت الجمهوريات وحركات التحرر الوطني بوصفها تعبيرا عن مرحلة جديدة في النظام الدولي.

وفي الشرق الأوسط، لم يكن العراق بعيدا عن تلك الموجة. فقد سبقت ثورة تموز تحولات كبيرة في المنطقة، أبرزها ثورة الضباط الأحرار في مصر عام ١٩٥٢، وتصاعد المد القومي العربي، وتزايد المطالبة بالتحرر من النفوذ الأجنبي. لذلك فإن ما جرى في بغداد عام ١٩٥٨ لم يكن مفاجأة للتاريخ، بل كان جزءًا من مناخ دولي وإقليمي كانت فيه الأنظمة التقليدية تواجه ضغوطا متزايدة، وكانت الشعوب تبحث عن نماذج جديدة للحكم والتنمية والعدالة.

لكن التاريخ لا يكتمل إذا اكتفينا بذكر الفضائل، كما لا يكون منصفا إذا أغفل الأخطاء. فالثورة التي حملت آمالًا كبيرة شهدت منذ أيامها الأولى مشاهد عنف مؤلمة، ثم دخلت سريعا في دوامة صراع سياسي بين القوميين والشيوعيين والقوى الوطنية، وهو صراع أضعف الدولة الفتية وأفقدها القدرة على بناء مؤسسات مستقرة تتجاوز الأشخاص.

إلا أن أكبر خطأ يرتكبه المؤرخ هو أن يقرأ ثورة تموز بوصفها شأنا عراقيا داخليا فقط. فقد وُلدت الجمهورية العراقية الأولى في أكثر مراحل القرن العشرين توترًا، حين كان العالم منقسما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ولم يكن العراق يومها دولة هامشية، بل كان يحتل موقعا استراتيجيا جعل كل تحول داخله موضع اهتمام القوى الكبرى.

وجد الغرب في سقوط النظام الملكي خسارةً لحليف مهم في الشرق الأوسط، بينما رأى الاتحاد السوفيتي في الجمهورية الجديدة فرصة لتعزيز حضوره في المنطقة. وفي الوقت نفسه، كانت الساحة العربية تعيش صراعا لا يقل حدة بين مشروع الوحدة العربية بقيادة جمال عبد الناصر، ورؤية عبد الكريم قاسم التي تمسكت باستقلال القرار العراقي ورفضت أن تكون بغداد تابعة لأي مركز سياسي خارج حدودها.

وهكذا وجد العراق نفسه، في وقت قصير، محاصرا بصراعات متداخلة؛ صراع داخلي بين القوى السياسية، وصراع عربي على قيادة المنطقة، وصراع دولي بين الشرق والغرب. وكانت النتيجة أن الجمهورية الوليدة لم تُمنح فرصة كافية لتستقر، كما أن أخطاءها الداخلية جعلتها أكثر عرضة لتلك الضغوط، حتى انتهت بانقلاب الثامن من شباط عام ١٩٦٣، الذي فتح بدوره فصلًا جديذا من تاريخ العراق المضطرب.

ولعل أخطر ما خلفته تلك المرحلة أنها كرست فكرة أن تغيير السلطة يمكن أن يتم بقوة السلاح، لا عبر المؤسسات والدستور. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال في العراق يقتصر على: من يحكم؟ بل أصبح أيضا: لأي محور ينتمي الحاكم؟ وهي معادلة دفعت الدولة العراقية ثمنها الباهظ على امتداد العقود التالية.

واليوم، وبعد مرور ثمانية وستين عامًا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل كانت ثورة الرابع عشر من تموز ثورة أم انقلابا؟ فالتاريخ لا يتغير بتبدل التسميات، ولا يُكتب بلغة الشعارات، بل بالوقائع والنتائج.

وربما يرى البعض أن إلغاء عطلة الرابع عشر من تموز من جدول العطل الرسمية يعني طي صفحتها، لكن التاريخ لا يُمحى بقرار إداري. فالأيام العظيمة لا تبقى لأنها عطل رسمية، بل لأنها غيّرت مسار الأوطان. وسيظل الرابع عشر من تموز، سواء اتفق العراقيون معه أم اختلفوا حوله، اليوم الذي شهد ولادة أول جمهورية في تاريخ العراق، وهي حقيقة لا يبدلها قانون ولا يلغيها قرار.

إن الأمم التي تختلف حول تاريخها لا تتقدم إلا إذا امتلكت شجاعة قراءته بموضوعية. فالتاريخ ليس محكمة لإدانة الأسلاف، ولا منصة لتمجيدهم، بل مدرسة لاستخلاص العبر.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين اليوم ليس: هل كانت ثورة الرابع عشر من تموز على صواب أم على خطأ؟ بل: لماذا لم ينجح العراق، منذ ولادة جمهوريته الأولى وحتى اليوم، في بناء دولة مستقرة تحقق ما حلم به العراقيون من عدالة وسيادة وتنمية؟

إنصاف ثورة تموز لا يكون بتمجيدها حتى تتحول إلى أسطورة، ولا بإدانتها حتى تصبح خطيئة تاريخية. فالإنصاف هو الاعتراف بأنها حملت حلمًا صادقا بالعدالة الاجتماعية، كما حملت أخطاءً فتحت أبوابا لصراعات لم يكن العراق مستعدا لها. وإذا كانت ثورة الرابع عشر من تموز قد أنجبت أول جمهورية عراقية، فإن التحدي الذي ما زال قائما بعد ثمانية وستين عاما هو أن تنجح الجمهورية أخيرا في بناء الدولة التي حلم بها العراقيون: دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والقرار الوطني المستقل.

ذلك هو الدرس الحقيقي الذي ينبغي أن يبقى حاضرا في الذاكرة الوطنية، لأن الأوطان لا تبنيها الثورات وحدها، ولا تحفظها الجيوش وحدها، بل تبنيها دولة عادلة، وهوية وطنية جامعة، وإرادة سياسية تضع العراق فوق كل المحاور والانقسامات.

التعليقات معطلة.