ليست الحروب الكبرى تلك التي يكثر فيها إطلاق النار
بل تلك التي يتغير بعدها معنى القوة
فالصواريخ قد تصنع معركة
أما الأفكار التي تولد من رحمها فقد تصنع قرنا كاملا.
والشرق الأوسط يقف اليوم على عتبة هذا التحول
من يقرأ المشهد بعين الخبر يرى تصريحات متبادلة
وضربات عسكرية
وتهديدات تتصاعد مع كل ساعة.
أما من يقرأه بعين الدولة فيرى شيئا آخر
يرى أن المنطقة لم تعد تعيش صراعا على النفوذ فحسب.
بل تعيش صراعا على تعريف النفوذ نفسه.
لقد انتقل التنافس من امتلاك القوة إلى امتلاك حق تفسير القوة.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فالولايات المتحدة لا تبدو منشغلة بإيران بوصفها خصما عسكريا فقط.
بل بوصفها عقدة جيوسياسية تعترض مشروعا أوسع لإعادة صياغة المجال الاستراتيجي للشرق الأوسط.
فحين يتحول الحديث من الردع إلى أمن الممرات البحرية.
ومن حماية الملاحة إلى إدارة الملاحة. فإن اللغة نفسها تكون قد تغيرت.
وهذا التغير ليس لغويا.
بل هو إعلان عن انتقال الصراع من ميدان العمليات إلى ميدان القواعد التي ستدير العمليات.
فالإمبراطوريات لا تبدأ بالسيطرة على العواصم.
بل تبدأ بالسيطرة على الطرق التي تقود إليها.
ولا تبحث أولا عن احتلال الأرض.
بل عن احتكار المفاصل التي تجعل الأرض قابلة للحياة.
ولهذا لم تكن البحار يوما مجرد امتداد للماء.
بل كانت دائما الامتداد الطبيعي للسلطة.
ومن يملك شرايين التجارة العالمية. يمتلك قدرة لا تقل أثرا عن امتلاك الجيوش.
وفي المقابل تدرك إيران أن مضيق هرمز ليس ممرا بحريا فقط.
إنه آخر تجليات ثقلها الجيوسياسي.
وآخر الأوراق التي تجعل الآخرين يحسبون كلفة تجاوزها.
ولهذا فإن دفاعها عن المضيق لا يتعلق بالمضيق وحده.
بل بالمكانة التي يمنحها المضيق
إنها لا تدافع عن الجغرافيا.
بل عن موقعها داخل معادلة التاريخ.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد.
من يسيطر على مضيق هرمز.
بل
من يملك حق تعريف مضيق هرمز.
وهذا هو الفارق بين من يقرأ الجغرافيا بعين العسكري.
ومن يقرأها بعين الفيلسوف السياسي.
القراءة العسكرية.
عسكريا لا تشير الوقائع إلى أن أيا من الطرفين يبحث عن حرب شاملة.
فالولايات المتحدة تدرك أن النصر العسكري لا يضمن نصرا سياسيا.
وإيران تدرك أن المواجهة المفتوحة قد تستنزف ما بنته خلال عقود.
لذلك يتجه الطرفان إلى ما يمكن تسميته بحرب هندسة الإرادات.
ضربات محسوبة.
رسائل مدروسة.
ضغوط اقتصادية.
واستنزاف طويل.
إنها حرب لا يكون الانتصار فيها لمن يطلق أول صاروخ.
بل لمن ينجح في فرض آخر قاعدة.
فالولايات المتحدة تراهن على تقليص المجال الحيوي الذي تتحرك فيه إيران.
وعلى إعادة رسم حدود نفوذها دون الاضطرار إلى احتلال أو تغيير نظام.
بينما تراهن إيران على أن الزمن قد يكون حليفها الأكبر.
وأن إطالة أمد التوتر قد ترفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على خصومها.
إنها ليست معركة نار.
إنها معركة زمن
والزمن في الاستراتيجية العسكرية ليس ساعة على الحائط.
بل سلاح لا يقل خطورة عن حاملات الطائرات
القراءة السياسية
الخطأ الأكثر شيوعا هو الاعتقاد بأن الغاية النهائية هي إسقاط النظام الإيراني
لكن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى نادرا ما تجعل إسقاط الأنظمة هدفها الأول
إنها تفضل إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها الخصم
فإذا تغيرت البيئة
تغير السلوك
وإذا تغير السلوك.
تحقق الهدف بأقل الأكلاف.
ولهذا فإن ما يجري اليوم قد يكون أقرب إلى إعادة هندسة الإقليم منه إلى محاولة إسقاط دولة.
فالهدف الأعمق ليس تغيير الاسم.
بل تغيير الدور
وليس إسقاط السلطة.
بل إعادة تعريف حدود تأثيرها.
السيناريو الأقرب
إذا استمرت المؤشرات الحالية فإن المنطقة تتجه على الأرجح إلى مرحلة طويلة من الاحتكاك المنضبط.
لن تكون حربا شاملة.
ولن تكون سلاما مستقرا
بل حالة بين الاثنين
تتصاعد فيها الضغوط
وتتراجع
ثم تعود بصورة مختلفة.
إلى أن تستقر قواعد اشتباك جديدة يقتنع الجميع بأنها أقل كلفة من كسرها
أما الخطر الحقيقي فلا يكمن في قرار الحرب
بل في خطأ الحساب
فالحروب الكبرى كثيرا ما تبدأ لأن أحد الأطراف أخطأ في تقدير نية الطرف الآخر
الخاتمة
لقد اعتدنا أن نعتقد أن الجغرافيا هي التي تصنع السياسة.
لكن الحقيقة أن السياسة هي التي تعيد تعريف الجغرافيا.
فالخرائط لا تتغير عندما تتحرك الجيوش فقط
بل عندما تتغير الأفكار التي تحرك الجيوش
وما يجري اليوم ليس صراعا على مضيق
ولا نزاعا بين واشنطن وطهران.
بل منافسة على من يمتلك حق كتابة قواعد الشرق الأوسط المقبل.
وحين تنتهي هذه المرحلة.
لن يتذكر التاريخ عدد الصواريخ التي أطلقت
بل سيتذكر من استطاع أن يحول القوة إلى نظام
والنظام إلى شرعية
والشرعية إلى واقع
لأن التاريخ لا يخلد المنتصر في المعركة
بل يخلد من ينجح في إعادةتعريف معنى الانتصار نفسه.
#ميان

