ميادة الدغستاني
لم تعد المعلومة في عالم اليوم مجرد خبر يُتداول، أو معرفة يحتفظ بها أصحابها، بل أصبحت واحدة من أغلى السلع وأكثرها تأثيراً في صناعة القرار. فالدول تشتري المعلومات، والشركات تدفع الملايين للحصول على البيانات، والأجهزة والمؤسسات تتنافس على الوصول إلى معلومة قد تغيّر مسار صفقة أو انتخابات أو حرب.
في الماضي كان يُقال إن «من يملك المال يملك القوة»، ثم أصبح يقال إن «من يملك السلاح يملك القوة». أما في عصرنا الحالي، فقد أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً: من يملك المعلومة يملك القدرة على توجيه المال والسلاح والقرار معاً.
المعلومة قد تكون رقماً، أو وثيقة، أو تقريراً، أو معرفة بسوق معين، أو تفاصيل عن صفقة، أو قراءة دقيقة لموقف سياسي. وقد تكون أحياناً مجرد معلومة صغيرة، لكنها تصل في الوقت المناسب إلى الشخص المناسب، فتكون قيمتها أكبر من ملايين الدولارات.
ولهذا السبب نشأت حول المعلومة أسواق غير معلنة. هناك من يجمعها، ومن يحللها، ومن يبيعها، ومن يشتريها، وهناك من يدفع ثمناً باهظاً للحصول عليها قبل الآخرين. وفي عالم التجارة، قد تكون معرفة اتجاه الأسعار قبل حدوثها فرصة لتحقيق أرباح ضخمة. وفي السياسة، قد تكون معرفة موقف دولة أو شخصية مؤثرة ورقة تفاوضية لا تُقدّر بثمن.
لكن الأخطر من ذلك هو أن المعلومة لا تُباع دائماً باعتبارها «حقيقة». أحياناً تُباع المعلومة باعتبارها أداة تأثير.
قد تُسرّب وثيقة في توقيت معين، وقد يُنشر خبر قبل اجتماع مهم، وقد تُضخ معلومة ناقصة إلى وسائل الإعلام، ليس لأن الهدف هو إخبار الجمهور، وإنما لأن الهدف هو تغيير موقف أو الضغط على طرف أو التأثير في قرار.
وهنا تصبح المعلومة سلاحاً.
السلاح التقليدي يمكن أن يدمّر مبنى أو يغيّر حدوداً، أما المعلومة فيمكن أن تغيّر قناعة، وتربك سوقاً، وتضغط على حكومة، وتضرب سمعة مؤسسة، أو تفتح الطريق أمام صفقة بمليارات الدولارات.
ولذلك ليس كل ما يصل إلينا من معلومات بريئاً أو عفوياً. فالسؤال الأهم ليس فقط: هل المعلومة صحيحة؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: من يقف وراءها؟ ولماذا ظهرت الآن؟ ومن المستفيد من انتشارها؟
هذه الأسئلة أصبحت ضرورية في زمن تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد والإعلام مع المال، وأصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل معلومة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» يتداولها الملايين خلال ساعات.
وفي عالم المال والأعمال، تظهر قيمة المعلومة بصورة أكثر وضوحاً. فالشركة التي تعرف قبل منافسيها أن سوقاً معينة ستشهد ارتفاعاً في الطلب، أو أن مشروعاً كبيراً سيُعلن عنه، أو أن دولة ستغيّر سياسة الاستيراد، تمتلك أفضلية قد تساوي ملايين الدولارات.
لكن هنا يظهر الخط الفاصل بين المعلومة المشروعة والمعلومة غير المشروعة. فالحصول على معلومات من مصادر عامة وتحليلها أمر طبيعي ومشروع، بينما استخدام معلومات سرية أو غير متاحة للعامة لتحقيق منفعة غير قانونية قد يتحول إلى جريمة أو فساد أو تلاعب.
وفي السياسة، يصبح الأمر أكثر حساسية. فالدولة التي تمتلك جهازاً قوياً لجمع المعلومات وتحليلها لا تنتظر الأحداث دائماً، بل تحاول استباقها. تعرف ما الذي يفكر فيه الآخرون، وما هي نقاط قوتهم وضعفهم، وما هي خياراتهم المقبلة.
ولهذا السبب، فإن الصراع الحقيقي بين الدول لا يجري دائماً في ساحات المعارك. أحياناً يجري داخل مراكز الأبحاث، وغرف التحليل، وشبكات الاتصال، وأسواق المال، ووسائل الإعلام.
إنها حرب على المعلومة.
والأمر لا يقتصر على الدول. حتى الأفراد أصبحوا جزءاً من هذا السوق. بيانات المستخدمين، عادات الشراء، المواقع التي يزورونها، المنتجات التي يبحثون عنها، وحتى اهتماماتهم الشخصية، كلها أصبحت ذات قيمة اقتصادية هائلة.
فالبيانات التي تبدو للفرد عادية أو غير مهمة قد تكون بالنسبة إلى شركة أو مؤسسة كنزاً تجارياً.
وهنا نصل إلى حقيقة ربما لا ينتبه إليها كثيرون: نحن لا نعيش فقط في عصر المعلومات، بل نعيش في عصر تجارة المعلومات.
المعلومة لها سعر، لكن قيمتها لا تُقاس دائماً بالمال. أحياناً تكون قيمة المعلومة في توقيتها. فمعلومة اليوم قد تساوي الملايين، بينما تصبح غداً بلا قيمة بعد أن يعرفها الجميع.
ولهذا يمكن القول إن أغلى المعلومات ليست بالضرورة أكثرها تعقيداً، وإنما أكثرها ندرة ودقة وتوقيتاً.
وفي النهاية، المعلومة سلاح ذو حدين. يمكن استخدامها لبناء اقتصاد، وحماية دولة، وكشف فساد، واتخاذ قرارات صحيحة. ويمكن استخدامها أيضاً للتضليل والابتزاز والتلاعب وصناعة الأزمات.
لذلك، فإن المجتمعات التي تريد حماية مصالحها لا يكفيها أن تمتلك المال أو الموارد أو القوة العسكرية، بل عليها أن تمتلك القدرة على الحصول على المعلومة، والتحقق منها، وتحليلها، وفهم من يقف خلفها.
ففي عالم تُشترى فيه المعلومة وتُباع، لا يكون الخطر الأكبر في أن تجهل شيئاً، وإنما في أن تدفع ثمناً لمعلومة خاطئة وأنت تظن أنك اشتريت الحقيقة.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية:
ليس من يملك المعلومة فقط هو الأقوى، بل من يعرف أي معلومة يشتري، ومن أي مصدر، ولماذا، ومتى يستخدمها.

